الدرس الرابع والعشرون: قواعد أصولية في الأمر
انظر إلى التمهيد: حين يأتي أمر مثل ما ورد في سورة المائدة، الآية ٢، هل يبقى الوجوب هو القاعدة الدائمة أم تنصرف المعاني؟ القاعدة تقول إن الأصل في الأمر هو الوجوب، لكن قد تاتي قرينة تصرفه عنه إلى معانٍ أخرى. المعنى الأول هو الندب، ومثاله في سورة النور، الآية ٣٣، حيث وُجّه الأمر بالكتابة ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة ترك المكاتبة لمعاليكهم فصرف الوجوب إلى الندب. المعنى الثاني هو الإباحة، كما في سورة المائدة، الآية ٢، إذ جاء الأمر بالصيد بعد حظر في سورة المائدة، الآية ١، فصار مباحاً لا واجباً. المعنى الثالث هو التهديد، ومثاله في سورة الكهف، الآية ٢٩، حيث جاء الأمر بعد ذكر الوعيد والعقاب. المعنى الرابع هو الإرشاد، كما في سورة البقرة، الآية ٢٨٢، والأمر هنا للإرشاد لأن المطلوب منافع الدنيا ولا ثواب فيه.
يقوم هذا الدرس على فهم القواعد الأصولية المتعلقة بصيغة الأمر في الفقه الإسلامي. تدل صيغة الأمر في الأصل على الوجوب، لكنها قد تصرف عنه إلى معان أخرى بوجود قرائن، كالندب والإباحة والتهديد والإرشاد. ومن القواعد المهمة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مثل المشي إلى المسجد لصلاة الجماعة. كما يناقش الدرس ما إذا كان الأمر يقتضي الفور أو التراخي، وما إذا كان يقتضي التكرار أم لا، حيث تقرر أن الأمر بمجرد الطلب لا يقتضي التكرار إلا بوجود قرينة تدل عليه، مثل الصلوات الخمس. كمثال سريع: قوله تعالى في أمر الصيد بعد الإحرام بصيغة الأمر لإباحة الصيد بعد حظره، تحولت الصيغة من الوجوب إلى الإباحة لوجود قرينة الصرف.
الفكرة الأساسية
تدور فكرة الدرس حول صيغ الأمر الشرعية في الأدلة وكيفية التعامل معها أصولياً، من حيث دلالتها على الوجوب أو انصرافها عنه بقرائن، وهل تقتضي الفور أم التراخي، وهل تتطلب التكرار، بالإضافة إلى قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به.
الشرح
تأتي صيغة الأمر مجردة عن القرائن فتقتضي الوجوب، لكن قد ترد قرائن تصرفها عن الوجوب إلى معان أخرى، منها الندب كالأمر بمكاتبة المماليك في سورة النور الآية 33، ومنها الإباحة كالأمر بالصيد بعد الإحرام في سورة المائدة الآية 2 لصرف الوجوب عنه لوقوعه بعد حظر، ومنها التهديد كالأمر بالعمل لمن شاء في سورة الكهف الآية 29، ومنها الإرشاد كالأمر بالإشهاد عند التبايع في سورة البقرة الآية 282 لأنه مطلوب لمنافع الدنيا ولا ثواب فيه.
قاعدة أخرى تقول: إذا توقف فعل المأمور على عمل آخر، كان العمل الآخر مأموراً به، فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، كوجوب المشي إلى المسجد لأداء الصلاة الواجبة لأن الصلاة لا تتم إلا به.
في مسألة فورية الأمر أو التراخي، فإن كان الأمر مقيداً بوقت يفوت الأداء بفواته فلا خلاف في وجوب الفورية كالصلاة الخمس وصوم رمضان، وإن لم يكن مقيداً بوقت كالحج فالدليل على الفور قوله تعالى في سورة آل عمران الآية 133 وسورة المائدة الآية 48 بالمسارعة إلى الخيرات.
أما في مسألة التكرار، فالصحيح أن صيغة الأمر لا تقتضي التكرار إلا بقرينة تدل عليه، لأن الطلب في الأصل موضوع لمطلق الطلب من غير دلالة على المرة أو الكثرة، فامتثال الأمر مرة واحدة يبرئ الذمة.
مثال محلول خطوة بخطوة
لو طلب الأب من ابنه اسقني ماء، فأخر الابن الامتثال مع استطاعته، فإنه يستحق اللوم. الخطوة الأولى: نحدد الصيغة وهي صيغة أمر تدل على الطلب. الخطوة الثانية: نطبق القاعدة الأصولية وهي أن وجوب امتثال الأمر على الفور هو مقتضاه عند أهل اللغة. الخطوة الثالثة: نستنتج الحكم وهو أن التأخير بلا عذر يوجب اللوم لأن العرف واللغة يوجبان المبادرة الفورية لامتثال الأمر.
أخطاء شائعة
الظن بأن كل صيغة أمر تفيد الوجوب دائماً من غير البحث عن القرائن الصارفة، والاعتقاد بأن الأمر يقتضي التكرار بذاته مع أن الأصل أنه لا يقتضي التكرار إلا بقرينة.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: علل: وجوب الشيء إذا توقف فعل المأمور عليه؟ الإجابة: لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. السؤال الثاني: هل الأمر يقتضي التكرار بذاته؟ الإجابة: لا، الأمر لا يقتضي التكرار إلا بقرينة تدل عليه.