الدرس الثالث والعشرون: حقيقة الأمر
ابدأ الدرس الثالث والعشرين من كتاب أصول الفقه بموضوع حقيقة الأمر، وتأمل التمهيد الذي يوضح أن معرفة أحكام الواجب والمندوب تتوقف على معرفة دلالة الطلب، لنتعرف على تعريف الأمر وصيغه وما تقتضيه. في اللغة الأمر عكس النهي، فالأمر هو طلب الفعل بينما النهي هو طلب الترك. وأما في الاصطلاح الشرعي فهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء. انظر إلى شرح التعريف، فقيد طلب الفعل يخرج به النهي لأنه طلب ترك. وقيد على وجه الاستعلاء يعني أن يكون الآمر أعلى درجة من المأمور، وينقسم إلى حالتين، الأولى إذا كان الأمر مساوياً للمأمور ويسمى التماس مثل أن تقول لزميلك ناولني المصحف، والحالة الثانية إذا كان الأمر صادراً من الأدنى للأعلى ويسمى الدعاء مثل قول العبد رب اغفر لي.
يبحث هذا الدرس في حقيقة الأمر وصيغه ودلالاته الاصولية. الامر في اللغات هو ضد النهي، ويعرفه الاصوليون بانه طلب الفعل على وجه الاستعلاء. فاذا تساوى الامران فهو التماس، وان كان من الادنى للاعلى فهو دعاء. وصيغ الامر متعددة ومنها: فعل الامر، والفعل المضارع المقترن بلام الامر، واسم فعل الامر، والمصدر النائب عن فعل الامر. واذا ورد الامر مجردا عن القرائن، فان جمهور العلماء ذهبوا الى انه يقتضي الوجوب، ودليلهم ادلة كثيرة من الكتاب والسنة والاجماع. مثال ذلك قوله تعالى في سورة البقرة، الآية (٤٣): واركعوا مع الراكعين، فهذا فعل امر مجرد دل على وجوب الركوع مع المصلين.
الفكرة الأساسية
يقوم الدرس على تحديد المعنى الحقيقي للأمر في الاصطلاح الأصولي، ومعرفة صيغه المتعددة في النصوص الشرعية، وحكم ورود الأمر مفرداً أو مجرداً عن القرائن وهل يقتضي الوجوب أم لا.
الشرح
نبدأ بتعريف الأمر لغة بأنه ضد النهي، فالأمر طلب الفعل والنهي طلب الترك. أما في اصطلاح العلماء فهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء. ويدخل في هذا القيد ثلاثة أمور بناء على درجات المتكلم والمخاطب: فإذا كان الآمر مساوياً للمأمور فهذا يسمى التماس، كقولك لزميلك: ناولني المصحف. وإن كان الأمر صادراً من الأدنى للأعلى فيسمى الدعاء، كقولك: رب اغفر لي. وللأمر صيغ متعددة تدل عليه، أولها فعل الأمر مثل قوله تعالى في سورة الكهف، الآية (٢٧): واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، وثانيها الفعل المضارع المقترن بلام الأمر مثل قوله تعالى في سورة الطلاق، الآية (٧): لينفق ذو سعة من سعته، وثالثها اسم فعل الأمر مثل قولنا في الأذان: حي على الصلاة، ورابعها المصدر النائب عن فعل الأمر مثل قول الرسول ﷺ: لن ينجي أحدا منكم عمله. وعندما ترد هذه الصيغ في الأدلة الشرعية، فإنها تنقسم إلى حالتين: الحالة الأولى أن يقترن الأمر بما يدل على الوجوب أو غيره، فهنا يعمل بما دلت عليه القرينة ولا خلاف بين العلماء في ذلك. والحالة الثانية أن يرد الأمر مطلقاً ومجرداً عن القرائن الدالة على الوجوب أو غيره، والقول الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن الأمر في هذه الحالة يدل على الوجوب، ويدل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع السلف.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ قوله تعالى في سورة النور، الآية (٦٣): فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. نريد معرفة وجه الدلالة من هذه الآية على أن الأمر المجرد يقتضي الوجوب. الخطوة الأولى: نحدد الصيغة الواردة في الآية، وهي الفعل المضارع المقترن بلام الأمر في كلمة فليحذر. الخطوة الثانية: ننظر هل اقترنت هذه الصيغة بقرينة تصرفها عن الوجوب إلى الاستحباب أم لا، فنجد أنها ذكرت مجردة. الخطوة الثالثة: نربط الحكم بالدلالة، حيث توعد الله تعالى من يخالف أمر النبي ﷺ بالفتنة والعذاب الأليم، ومثل هذا الوعيد لا يكون إلا على ترك واجب، مما يثبت أن الأمر المجرد يقتضي الوجوب.
أخطاء شائعة
يعتقد بعض الطلاب أن طلب الفعل من شخص مساوٍ لك يعد أمراً حقيقياً على وجه الاستعلاء، وهذا غير صحيح لأن التساوي يجعل الطلب التماساً لا استعلاءً. ومن الخطأ أيضاً ظن أن الأمر المجرد عن القرائن يفيد الاستحباب أو الإباحة مطلقاً، والصواب عند الجمهور أنه يقتضي الوجوب.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: وضّح الفائدة من اشتراطهم في تعريف الأمر: أن يكون على وجه الاستعلاء؟ الإجابة: ليخرج بذلك الالتماس الذي يكون بين المتقاربين أو المتساوين، والدعاء الذي يكون من الأدنى للأعلى. السؤال الثاني: بيّن صيغة الأمر في قوله تعالى في سورة البقرة، الآية (٤٣): وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين؟ الإجابة: الصيغة هي فعل الأمر في أفعال وأقيموا وآتوا واركعوا.