الدرس السادس عشر: الإجماع
انظر إلى التمهيد: لاحظ الفرق بين قولنا قال به جماهير العلماء، وقال به بعض العلماء، فالتعبير الأول يعني الكثرة الساحقة بينما الثاني يعني أقل من ذلك، وكذا الفرق بين نسبته للأئمة الأربعة أو لعموم العلماء. في اللغة العربية، الإجماع له معنيان: الأول هو العزم، كما في إشارة سورة يونس الآية ٧١، وكما يقال لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل. والمعنى الثاني هو الاتفاق، مثل أن يتفق القوم على أمر فيصيروا ذوي جمع. وأما في الاصطلاح الشرعي، فهو اتفاق المجهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.
الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. وهو حجة شرعية واجبة الأخذ بها تحرم مخالفتها، مستدل بقوله تعالى في سورة النساء الآية ١١٥، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم رقم ١٩٢٠. ينقسم الإجماع إلى نوعين: إجماع صريح قولي وهو اتفاق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم أو الفتاوى على شيء واحد وهو مفيد اليقين والقطع، وإجماع سكوتي وهو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولا في مسألة وينتشر ويسكت المجتهدون الآخرون بعد اطلاعهم من غير إنكار وهو مختلف في حجيتها. يشترط للاستدلال بالإجماع أن يثبت بطريق صحيح وألا يسبقه خلاف مستقر. ويعرف الإجماع بإما الإخبار والنقل أو المشافهة والمشاهدة.
الفكرة الأساسية
يقوم الدرس على توضيح القاعدة الثالثة من الأدلة الشرعية المتفق عليها بعد الكتاب والسنة، وهي اتفاق علماء الأمة المجتهدون على حكم شرعي في عصر من العصور، وكيف يكون هذا الاتفاق ملزماً وحجة يجب العمل بها.
الشرح
نعرف الإجماع اصطلاحاً بأنه اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. وعند تحليل هذا التعريف نجد قيوداً تخرج ما ليس بإجماع؛ فكلمة اتفاق تخرج الاختلاف، وكلمة المجتهدين تخرج العوام، ومن أمة محمد تخرج إجماع غيرها فلا يعتبر، وبعد وفاته يخرج إجماع زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مشرع، وقولنا في عصر من العصور يخرج توهم وجوب اتفاق مجتهدي الأمة في جميع العصور إلى قيام الساعة فهذا محال وباطل، وعلى حكم شرعي يخرج الاتفاق على حكم عقلي أو عادي إذ لا مدخل له هنا.
لحجية الإجماع أدلة كثيرة من القرآن والسنة؛ فمن القرآن قوله تعالى في سورة النساء الآية ١١٥، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم برقم ١٩٢٠: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون، وقد قال النووي إن في هذا الحديث دليلاً لكون الإجماع حجة.
ينقسم الإجماع إلى نوعين رئيسيين: ١- إجماع صريح (قولي): وهو أن تتفق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم على حكم في مسألة معينة، أو أن يفتي كل عالم في المسألة برأي وتتحد الفتاوى على شيء واحد، وهذا النوع يفيد اليقين والقطعية ولا ينكر أحد ثبوته ولا حجته كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس. ٢- إجماع سكوتي: وهو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولاً في مسألة وينتشر هذا القول ويسكت المجتهدون في ذلك العصر بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار. وقد اختلف العلماء في حجية هذا النوع؛ فبعضهم يعتبره حجة والبعض الآخر لا يعتبره.
يشترط للاستدلال بالإجماع شرطان: ١- أن يثبت بطريق صحيح: بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقله ثقة واسع الاطلاع. ٢- ألا يسبقه خلاف مستقر: فإن سبقه خلاف من معتبر خلافا ولم يتراجع المخالف عن قوله فلا إجماع، أما إن تراجع المخالف عن قوله ووافق ما أجمع عليه فيكون إجماعا.
أما السبيل إلى معرفة الإجماع فيكون بطريقين: ١- الإخبار والنقل: إن كان الإجماع متقدماً، من خلال المؤلفات التي عنيت بنقل الإجماع. ٢- المشافهة والمشاهدة: إن كان الإجماع قد حصل في عصر المجتهدين.
مثال محلول خطوة بخطوة
مسألة وجوب الصلوات الخمس المكتوبة: الخطوة الأولى: عرض المسألة على المجتهدين في عصر من العصور. الخطوة الثانية: صدور أقوال أو أفعال أو فتاوى من جميع المجتهدين تتفق على وجوب الصلوات الخمس تماماً من غير تخالف. الخطوة الثالثة: تحقق اتفاق الأمة عليها، وهو ما يسمى إجماعاً صريحاً قطعياً. الخطوة الرابعة: الحكم بأن هذا الإجماع حجة شرعية قطعية يجب الأخذ بها ويحرم مخالفتها.
أخطاء شائعة
- توهم أن الإجماع يشترط فيه اتفاق جميع مجتهدي الأمة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، والصواب أنه يشترط الاتفاق في عصر من العصور فقط.
- الخلط بين الإجماع الصريح والإجماع السكوتي من حيث القطعية؛ فالإجماع الصريح يفيد اليقين والقطع، بينما الإجماع السكوتي اختلف العلماء في حجيته ولم يبلغ مرتبة القطع المطلق كالصريح.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: علل اشتراط أن يكون اجتماع المجتهدين في عصر من العصور؟ الإجابة: لأن توهم وجوب اتفاق مجتهدي الأمة في جميع العصور إلى قيام الساعة يؤدي إلى عدم ثبوت الإجماع. السؤال الثاني: ما الفرق بين الإجماع الصريح والإجماع السكوتي من حيث الحجية؟ الإجابة: الإجماع الصريح يفيد اليقين والقطعية ولا ينكر أحد حجته، بينما الإجماع السكوتي اختلف العلماء في حجيته هل هو حجة أم لا.