ثانيا: النقد الأدبي في مرحلة الازدهار
دخلنا هنا في عصر الازدهار النقدي، وظهرت مؤلفات متخصصة ضخمة مثل عيار الشعر لابن طباطبا والموازنة للآمدي. انظر إلى أولى قضايا النقد الأدبي هنا وهي قضية اللفظ والمعنى. هل الأفضل هو اللفظ أم المعنى؟ انقسم النقاد إلى ثلاثة فرق. الفريق الأول هم أنصار اللفظ، يرون أن الأدب هو الأسلوب وحسن صياغة المعاني في قوالب زاهية، فالأديب تميز عن غيره بحسن صياغته. الفريق الثاني هم أنصار المعنى، يران أن المعنى هو العنصر الأهم وهو الذي أنشأ الأديب أدبه لأجله، وهناك معانٍ نادرة لا تجدها إلا في أدب المبدعين الكبار. الفريق الثالث يرى الاعتدال والتوازن الفني، فالعلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الروح والجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته كما صور الجاحظ بقوله إن اللفظ للمعنى بدن والمعنى للفظ روح.
يقوم الدرس على دراسة النقد الأدبي في مرحلة الازدهار وأبرز قضاياه النقدية. ظهرت مؤلفات متخصصة مثل عيار الشعر لابن طباطبا والموازنة للآمدي، وناقشت قضايا كبرى. أولها قضية اللفظ والمعنى التي بحثت أيهما أهم، وانقسم النقاد إلى أنصار للفظ، وأنصار للمعنى، وفريق ثالث يرى التوازن الفني كعلاقة الروح بالجسد. وثانيها قضية وحدة القصيدة المرتبطة بترابط أجزائها واتساقها في صورة متناسقة. وثالثها قضية السرقات الشعرية التي تعني أخذ الشعراء من بعضهم، وتنقسم إلى معاني مشتركة متاحة للجميع لا تعد سرقة، ومعاني مخترعة بديعة، وأخذ الشاعر للمعنى ونقله إلى غرض آخر مع تحسينه. مثال ذلك بيت طرفة بن عبد في الفخر وعدم تغيير المعنى المشترك.
الفكرة الأساسية
تفرعت حركة النقد الأدبي في مرحلة الازدهار لإنتاج مؤلفات نقدية متخصصة تناولت قضايا محورية في البناء الشعري والنثري، مثل أولوية اللفظ أو المعنى، وترابط أجزاء القصيدة، وظاهرة الأخذ بين الشعراء أو ما يسمى السرقات الشعرية.
الشرح
انظر إلى المكتبة النقدية في هذه المرحلة، فقد ظهرت مؤلفات كبرى مثل عيار الشعر لابن طباطبا، والموازنة بين الطائيين للآمدي، ووساطة المتنبي للجرجاني، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، والعمدة لابن رشيق، والمثل الساحر لابن الأثير. هذه الكتب بحثت قضايا دقيقة:
- القضية الأولى هي اللفظ والمعنى. يتفق النقاد أن العمل الأدبي لا يقوم إلا بهما معا، لكنهم اختلفوا حول الأفضلية. أنصار اللفظ يرون أن الأدب هو الأسلوب وحسن صياغة المعاني في قالب زاهٍ. وأنصار المعنى يرون أن المعنى هو العنصر الأهم الذي أنشأ الأدب لأجله، وهناك معاني نادرة لا توجد إلا في الأدب الراقي. أما الفريق الثالث فيرى الاعتزال والتوازن الفني؛ فالعلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الروح والجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته، ومثال ذلك قول الجاحظ إن اللفظ للمعنى بدن والمعنى للفظ روح.
- القضية الثانية هي وحدة القصيدة. المراد بها ترابط أجزائها واتساقها لتبدو وحدة واحدة متناسقة، فإذا قدم بيت على بيت دخل الخلل القصيدة. وقد شبه الحاتمي القصيدة بخلق الإنسان في اتصال الأعضاء، متى انفصل عضو عن الآخر غادر الجسم عاهة.
- القضية الثالثة هي السرقات الشعرية. أخذ الشعراء من بعضهم أمر واقع لا يسلم منه شاعر، وتنقسم إلى أنواع: معاني متساوية يتساوى فيها الشعراء وهي معاني مشتركة متاحة للجميع مثل وصف الممدوح بالأسد فلا يعد سرقة. ومعاني مخترعة بديعة يحكم فيها بالسرقة إذا نقلت بحذافيرها. وأخذ الشاعر للمعنى ونقله لغرض آخر كالأخذ من النشر إلى الشعر أو العكس مع الزيادة والحسن.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ مثالاً على قضية السرقات الشعرية وأخذ المعنى وتطويره. أنظر إلى بيت سلم الخسار القائل: من مراقـب النَّاس مات غما وفاز باللذة الجسور. فقد أخذه الشاعر من بيت أستاذه بشار بن برد الذي يقول: من مراقـب النَّاس لم يظفر بحاجته وفاز بالطَّيِّبات الفَاتك اللَّهج. الخطوة الأولى: لاحظ أن سلم الخسار أخذ المعنى من أستاذه بشار مع تغيير صياغته وزيادة مبناه. الخطوة الثانية: اشتهر بيت سلم وتناقله الناس بينما لم يشتهر بيت بشار مع أن المعنى له في الأصل، وهذا يوضح كيف يمكن للشاعر أن يأخذ المعنى ويخرجه بصورة ألطف وأحسن.
أخطاء شائعة
- الاعتقاد بأن المعاني المشتركة بين الشعراء تعد سرقة أدبية، والصواب أن المعاني المتاحة للجميع مثل وصف الشجاعة أو الممدوح بالأسد لا تعد سرقة لأنها ملك للجميع.
- ظن أن تقديم وتاخير أبيات القصيدة لا يؤثر في بنيانها، والصواب أن وحدة القصيدة تتطلب ترابط الأجزاء واتساقها حتى تبدو صورة واحدة، وتقديم بيت على بيت يدخل الخلل فيها.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
- ما رأي الفريق الثالث في قضية اللفظ والمعنى؟ الاجابة: يرى الفريق الثالث ضرورة الاعتدال في هذه القضية بما يحقق التوازن الفني، مؤكداً أن العلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الروح والجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته.
- كيف نظر النقاد إلى المعاني التي يتساوى فيها الشعراء في قضية السرقات الشعرية؟ الاجابة: سموها النقاد بالمعاني المشتركة، وهذا النوع لا يحكم بالسرقة فيه لأنه متاح للجميع، فنقل وصف أحدهم الممدوح بأنه أسد لا يقتضي أن نقل هذا المعنى من غيره يعتبر سرقة لأنه معنى بسيط لا يختص به أحد بعينه.