أولا: النقد الأدبي القديم
انظر إلى بداية تاريخ النقد الأدبي في العصر الجاهلي وانتهاءً بالقرن الثالث الهجري، حيث لم يكن النقد مستقلاً في كتب خاصة، بل مبثوثاً في كتب الأدب والأخبار داخل مجالس الخلفاء والأمراء والعلماء. تأمل النموذج النقدي الأول بين النابغة الذبياني وحسان بن ثابت في سوق عكاظ حين عرض حسان شعره الفاخر في الفخر والحماسة، فأنشد أبياته التي يفاخر فيها بقلة عددهم وكثرة جفانهم وسيوفهم المقطرة دماً. هنا تدخل النابغة نقدياً ليصحح لحسان مقاييسه البلاغية؛ فحسان قال لولا أنا أبا بصير، فأنشـد آنفاً إنك أشعر الجن والإنس ولكنك شاعر، ثم ناقشه النابغة في المفردات والتراكيب ليبين له أين يكون الفخر أبلغ وأقوى دلالة على الشجاعة.
يبحث النقد الأدبي القديم في مرحلة النشأة والتطور التي بدأت في العصر الجاهلي وانتهت في القرن الثالث الهجري تقريباً. في تلك المرحلة لم تكن كتب النقد مستقلة، بل كانت قضايا النقد متفرقة في كتب الأدب والأخبار، وكانت مجالس الأمراء والعلماء بيئة لنمو النقد وازدهاره. ومن نماذج هذه المرحلة التحكيم بين الشعراء، مثل تحكيم النابياني الذبياني بين حسان بن ثابت والأعشى، حيث كان النابغة يركز على دقة اختيار المفردات وملاءمتها للمعنى. ثم جاء الإسلام ليضيف أثراً واضحاً في النقد الأدبي، مقيماً مقاييس جديدة تعتمد على توظيف الأدب لخدمة الإسلام والدفاع عنه، والتأكيد على الصدق والحق، وذم التكلف والتقعر، ومنع كل ما تعدي على قيم الإسلام ومحاربة الله ورسوله والمسلمين أو الغزل الفاحش.
الفكرة الأساسية
يقوم النقد الأدبي القديم على مرحلة النشأة والتطور منذ العصر الجاهلي وحتى القرن الثالث الهجري، حيث ظهر النقد مبثوثاً في كتب الأدب والأخبار ومجالس الأمراء، ثم جاء الإسلام ليؤثر في توجيه النقد نحو خدمة المبادئ والقيم ومحاربة القبائح.
الشرح
بدأت مرحلة النقد الأدبي في العصر الجاهلي واستمرت حتى القرن الثالث الهجري تقريباً. لم يكن النقد مستقلاً في كتب خاصة، بل كانت مباحثه وقضايا النقد متفرقة في كتب الأدب والأخبار. وكانت مجالس الخلفاء والأمراء والعلماء هي البيئة التي نما فيها النقد وازدهر من خلال تحكيم الشعراء وتقدير أشعارهم. ومن الأمثلة البارزة تحكيم النابغة الذبياني بين حسان بن ثابت والأعشى، حيث كان النابغة ناقداً بارعاً يركز على ملاءمة المفردات للمعنى. ومع ظهور الإسلام، تأثر النقد الأدبي بشكل واضح، حيث ظهرت مقاييس نقدية جديدة تتمثل في توظيف الأدب لخدمة الإسلام والدفاع عنه، والتأكيد على الصدق والحق في التعبير، وذم التكلف والتقعر والثرثرة، ومنع الشعر الذي يتضمن هجاء مقذعاً أو فحشاً أو تهييجاً إلى محرم.
مثال محلول خطوة بخطوة
انظر إلى قول حسان بن ثابت في الفخر: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما. الخطوة الأولى: استمع النابغة الذبياني للبيت وقارن بين الألفاظ والمعاني. الخطوة الثانية: لاحظ النابغة أن حسان جمع جفنات وهي جمع قلة لا يزيد على عشرة، والمقام مقام فخر يقتضي المبالغة، وكان الأجدر استخدام جمع كثرة مثل جفان. الخطوة الثالثة: لاحظ النابغة في الشطر الثاني قوله يقطرن من نجدة دما، فدل ذلك على قلة القتل، والأبلغ لو قال يجريان للدلالة على الشجاعة والقوة. الخطوة الرابعة: استبدل النابغة كلمة في البيت بكلمة أخرى، مثل قوله للنابغة إنك إن خلت أن المرتأى عنك واسع، وعدل كلمة (شاء) إلى (شئت) لتناسب مقام مخاطبة الخليفة.
أخطاء شائعة
الظن بأن النقد الأدبي القديم كان مدوناً في كتب مستقلة خاصة بالنقد منذ العصر الجاهلي، والصحيح أن قضايا النقد كانت متفرقة في كتب الأدب والأخبار ولم تكن في كتب تخص النقد إلا متأخراً. الاعتقاد بأن توجيهات الإسلام الأدبية اقتصرت على الشعر الديني البحت، والصحيح أنها شملت توظيف الأدب لخدمة قيم الإسلام، والدفاع عنه، والتأكيد على الصدق، وذم التكلف والتقعر، ومنع الشعر الذي يشتمل على فحش أو هجاء مقذع لأعراض المسلمين.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: أين كانت مباحث وقضايا النقد متفرقة في مرحلة النشأة والتطور قبل القرن الثالث الهجري؟ الإجابة: كانت متفرقة في كتب الأدب والأخبار. السؤال الثاني: ما المقياس النقدي الذي أضافه الإسلام بمنع الشعر الذي يشتمل على فحش أو هجاء مقذع؟ الإجابة: هو منع ما يعدي على قيم الإسلام ومحاربة الله ورسوله والمسلمين أو الغزل الذي يشتمل على فحش، مثل ما فعل عمر بن الخطاب مع الحطيئة لهجائه الزبرقان بن بدر.