ثانيا: الخبر والإنشاء
علم المعاني هو العلم الذي تُعرف به أحوال تراكيب الكلام ومطابقته لمقتضى الحال. تأمل قول أبي العتاهية في البيت الأول وكيف يصف زوال الشباب بأسلوب إخباري يحتمل الصدق والكذب، ثم قارنه ببيت التمني الذي يليه وهو إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. الشاعران عبرا عن المعنى ذاته وهو حقيقة فناء الشباب، لكن الأول أخبرنا عن الواقع، بينما الثاني سلك سبيل التمني ليعبر عن أمنية غير محققة. الخبر هو ما يصح وصف قائله بالصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يصح وصفه بذلك لأنه ليس خبراً عن واقع ثابت.
يقوم الدرس على تقسيم الكلام العربي إلى قسمين رئيسيين وفقاً لاحتماله الصدق والكذب لذاته. القسم الأول هو الخبر، وهو الكلام الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، مثل جملة أن العلم نور. القسم الثاني هو الإنشاء، وهو الكلام الذي لا يحتمل الصدق أو الكذب، مثل جملة ما أجمل المطر أو هل عاد المسافر. يعتمد التمييز بينهما على ذات الكلام والألفاظ مجردة عن أي قرائن خارجية. فإذا أخبر المتكلم عن أمر واقع يمكن وصف كلامه بالصدق أو الكذب فهو خبر، وإذا طلب أمراً أو نهى أو تمنى دون أن يحمل خبراً سابقاً فهو إنشاء.
الفكرة الأساسية
ينقسم الكلام العربي في علم المعاني إلى قسمين أساسيين بناء على طبيعة دلالته واحتماله للحكم عليه بالصدق أو الكذب في ذاته دون النظر إلى من قاله أو إلى أي قرائن خارجية.
الشرح
عندما تتأمل الكلام الذي تلقيه أو تسمعه، ستجده لا يخرج عن حالتين: الحالة الأولى هي الخبر: وهو كل كلام يحتمل الصدق أو الكذب لذاته. معنى عبارة «لذاته» أي بالنظر إلى اللفظ والكلام نفسه بغض النظر عن قائلها. فإذا قال شخص إن الشباب يفنى، فهذا كلام يخبر عن واقعة يمكن أن نطابقها بالواقع؛ فإن كان مطابقاً فهو صدق وإن كان غير مطابقة فهو كذب. الحالة الثانية هي الإنشاء: وهو كل كلام لا يحتمل الصدق أو الكذب. مثل أن تتمنى عودة الشباب فتقول فيا ليت الشباب يعود يوما. هذا الطلب أو التمني لا يصح أن تقول لقائله أنت صادق أو أنت كاذب؛ لأنه لا يخبر عن واقعة بل ينشئ معنى جديداً.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ الجملة التالية: هل عاد المسافر؟ الخطوة الأولى: انظر إلى بنية الجملة، ستجد أنها تبدأ بحرف استفهام وتطلب معرفة شيء مجهول. الخطوة الثانية: اسأل نفسك: هل يصح أن نقول لقائل هذه الجملة إنه صادق أو كاذب؟ الجملة هنا لا تحتمل الصدق أو الكذب لأنها سؤال واستفهام. الخطوة الثالثة: صنف الكلام بناء على النتيجة، وبما أنه لا يحتمل الصدق أو الكذب إذن هو إنشاء.
أخطاء شائعة
الخطأ الشائع هو الحكم على صدق الكلام أو كذبه بالاعتبار الخارجي لشخص القائل. عندما يكون القائل هو الله سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم، فإن كلامه صدق قطعاً ولا يطبع عليه الكذب أبداً. لكن في علم المعاني، عند تعريف الخبر بأنه ما يحتمل الصدق أو الكذب، فإننا ننظر إلى «اللفظ لذاته» من غير اعتبار لقائل الكلام أو دلالاته الخارجية. فجملة إن الله عزيز ذو انتقام هي جملة خبرية لأن بنيتها تحتمل الصدق والكذب عقلاً لو صدرت من غير الله، وإن كنا نؤمن قطعاً بصدقها المطلق لكونها كلام الله.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: بين نوع الكلام في جملة: العلم نور. الإجابة: خبر، لأنه كلام يحتمل الصدق أو الكذب لذاته. السؤال الثاني: بين نوع الكلام في جملة: لا تعق والديك. الإجابة: إنشاء، لأنه طلب لا يحتمل الصدق أو الكذب.