أولا: تعريفه
انظر إلى الأمثلة الثلاثة أمامك. في المثال الأول، جملتا: إنما أنت كاتب، وإنما الكاتب أنت. الالفاظ متشابهة، لكن لكل جملة معنى خاص ينفرد به المتكلم حسب الحال. في الأولى يريد التأكيد على منزلة المخاطب وكأنه يقول اعرف منزلتك، وفي الثانية يريد أن يطمئنه بأنه كاتب متميز، وكأنه أفضل من يكتب. وفي المثال الثاني، جملتا: فاطمة ذات خلق كريم، وإن فاطمة لذات خلق كريم. المتكلم يخبر عن خلق فاطمة، لكنه في الجملة الثانية أكد الكلام وأكده ليواجه شخصا يشك في هذا الخلق. أما في المثال الثالث، جملتا: لم أكتب مقالا، وما أنا كتبت هذا المقال. هنا اختلف القصد أيضا، فالأولى تنفي كتابة أي مقال، بينما الثانية تنفي كتابة مقال محدد يشك المخاطب في نسبته للمتكلم. هذا هو علم المعاني.
الفكرة التي يقوم عليها علم المعاني هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، بحيث تختلف أساليب التعبير باختلاف الغرض الذي يقصده المتكلم والموقف الذي يخاطب فيه السامع، حتى لو تشابه المعنى العام بين جملتين. انظر إلى جملتين تتطابق ألفاظهما، فستجد لكل جملة معنى خاصا ينفرد به بح حسب السياق ونية المتكلم. مثال ذلك عندما تقول انما أنت كاتب، فإنك تريد أمرا، بينما إذا غيرت الأسلوب أو قدمت وأخرت، فإنك تقصد مقصدا آخر يدركه المخاطب من خلال السياق وحال الكلام.
الفكرة الأساسية
علم المعاني يبحث في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فكل جملة تنطق بها تحمل دلالة خاصة ترتبط بنية المتكلم والموقف الذي تواجهه، حتى وإن تشابهت الألفاظ بين جملتين أو تقاربت.
الشرح
خذ الجملتين: إنما أنت كاتب، وإنما الكاتب أنت. كلتا الجملتين صحيحة لغويا، وتحملان معنى عاما متشابها، لكن لكل جملة معنى خاصا ينفرد به، والمخاطب مختلف، ومراد المتكلم مختلف. في الجملة الأولى، يريد المتكلم الرد على شخص ادعى أنه عالم أو شاعر، وكأنه يقول: اعرف منزلتك. أما في الجملة الثانية، فقد أراد أن يطمئن المخاطب بأنه كاتب متميز، وكأنه أفضل من يكتب، وهذا يشعر القارئ بأن المخاطب كان مواجها بتشكيك في قدراته، أو أن أحدا قدم عليه من لا يستحق التقديم. وفي المثال الثاني: فاطمة ذات خلق كريم، وإن فاطمة لذات خلق كريم. المتكلم في الجملة الأولى يخبر عن الخلق الكريم لفاطمة، وهو لا يجد من يشك في ذلك. لكنه لما وجد من يشكك في كريم خلقها قال مؤكدا وجازما: إن فاطمة لذات خلق كريم. وأما المثال الثالث: لم أكتب مقالا، وما أنا كتبت هذا المقال. فاختلاف بعض ألفاظ الجملتين لا ينفي تشابه معنيهيهما، لكن لكل منهما غرضا وقصدا مختلفا عند المتكلم؛ فهو في الجملة الأولى ينفي أن يكون قد كتب مقالا، ولا يعنيه أن يكون غيره قد كتب أم لا. ولكنه في الجملة الثانية أصبح أمام مقال محدد لم يكتبه، والمخاطب يعتقد أو يشك أنه كتبه، فجعل حرف النفي سابقا لضمير المتكلم حتى ينفي كتابة هذا المقال عن نفسه. وتنخير كلمة مقال في الجملة الأولى يدل على أن المتكلم لم يكتب أي مقال، في حين يدل تعريف كلمة المقال في الجملة الثانية على أنه قد يكون قد كتب غيره، كما أن وجود اسم الإشارة هذا يدل على وجود مقال مشار إليه.
مثال محلول خطوة بخطوة
الخطوة الأولى: تأمل جملة مثل (إنما أنت كاتب) وجملة مثل (وإنما الكاتب أنت). الخطوة الثانية: انظر إلى الألفاظ، ستجدها متقاربة لغويا وتحمل معنى عاما واحدا. الخطوة الثالثة: اربط الجملة بموقعها وحال المخاطب، ففي الأولى ردا على من ادعى العبقرية بغير الكتابة، وفي الثانية طمأنة وتأكيد تفوق في الكتابة. الخطوة الرابعة: استنتج أن اختلاف الترتيب أو الأسلوب أدى إلى اختلاف المعنى الخاص المطابق لمقتضى الحال.
أخطاء شائعة
الظن بأن تساوي الكلمات في جملتين يعني بالضرورة تطابق معناهما السياقي بالكامل. إغفال حال المخاطب ونية المتكلم عند دراسة الجملة البلاغية. الاعتقاد بأن التقديم والتأخير في الجملة لا يغير من دلالتها البلاغية شيئا.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق من حيث المعنى والغرض بين جملة (فاطمة ذات خلق كريم) وجملة (وإن فاطمة لذات خلق كريم)؟ الإجابة: الأولى إخبار باعتياد وثبوت للخلق الكريم دون وجود شاك، والثانية جاءت مؤكدة ومؤكدة بإن واللام لدفع شك أو تشكيك من المخاطب في خلق فاطمة. السؤال الثاني: لماذا اختلف الغرض بين جملة (لم أكتب مقالا) وجملة (وما أنا كتبت هذا المقال)؟ الإجابة: الأولى نفی مطلق لكتابة أي مقال دون تخصيص، والثانية نفي موجه لمقال محدد أثير حوله الشك أو الاتهام لكتابته.