صفحة ١٠٦
انظر إلى رأس الصفحة: نحن نبدأ الموضوع الأول عن ماهية التعلم، وتأمل الأهداف الخمسة التي تحدد ما ستفهمه بعد دراسة هذا الفصل، من تحديد المعنى إلى معرفة أساليب تعديل السلوك. اقرأ الآية الكريمة في سورة النحل الآية 78، وتأمل كيف تبدأ الحياة الإنسانية بلا علم ثم يمنحنا الله السمع والأبصار والأفئدة لنتعلم ونشكر. في النشاط الاستهلالي، اكتب باختصار معنى هذه الآية مستعيناً بأحد كتب التفسير. أما في صندوق الأمثلة أسفل الصفحة، فتأمل تنوع أمثلة التعلم في حياتنا، مثل تعلم الحروف الهجائية، أو قيادة السيارة، أو طباعة الكامبيوتر باستخدام الأصابع العشرة، أو حتى تعلم كيفية التعبير عن الحب للآخرين، وكلها تنم عن اكتساب مهارات ومعارف جديدة عبر الممارسة المستمرة في حياتنا اليومية.
صفحة ١٠٧
انظر إلى أول الصفحة: لنتفق على تعريف التعلم بوصفه كل ما يكتسبه الفرد من معلومات ومعارف وأفكار واتجاهات وعواطف وميول وعادات ومهارات، وهي عملية مستمرة مدى الحياة. ثم انتقل إلى مصادر التعلم الثلاثة: أولاً التعلم النظامي الذي يتم داخل المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات على اختلاف أنواعها ومستوياتها، وثانياً التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة من خلال العلاقات المختلفة كالأنشطة والأصدقاء وزملاء المدرسة أو العمل، وثالثاً التعلم غير المقصود وهو كل ما يسمعه الفرد أو يشاهده أثناء ممارسته متطلبات حياته اليومية. أما عن أهمية التعلم، فهي تكمن في دوره الأساسي في عملية النمو الشامل للفرد جسدياً وحركياً وعقلياً وانفعالياً واجتماعياً، إذ بدونه لا يستطيع الفرد أن يحقق شيئاً في حياته، تماماً كما لا تنمو العضلات بلا تعلم، ولا تنمو عقولنا بلا تعلم مهارات التفكير السليم.
صفحة ١٠٨
نتابع أهمية التعلم في التصدي للمشكلات اليومية والتكيف للمواقف الجديدة واكتساب مهارات جديدة تساعدنا في التعامل بفعالية. ولتحقيق التعلم بشكل سليم، لابد من تحقق ثلاثة شروط أساسية: النضج، والدافعية، والممارسة. الشرط الأول هو النضج أو Maturation، وهو توقف التعلم على نمو الفرد؛ فلا يستطيع الفرد أن يتعلم إلا إذا تحقق له نمو كاف يمكنه من التعلم، مثل التغيرات البيولوجية والفسيولوجية في بنية الإنسان. انظر إلى الأمثلة: كبر حجم الجسد تدريجياً وزيادة طول الإنسان لا علاقة لها بأي تعلم أو تدريب، بل هي نتيجة عوامل الوراثة والنضج المستقل عن التدريب. الطفل لا يستطيع تعلم الكلام مهما كان ذكاؤه قبل أن تنضج الحبال الصوتية لديه، ولا يتعلم المشي قبل أن ينضج جهازه العصبي والعضلي، ولا يمكن أن يتعلم الكتابة إلا إذا نضجت العضلات الدقيقة في أصابعه.
صفحة ١٠٩
اقرأ الإضاءة المهمة: إذا مر على النضج فترة طويلة فإن التعلم لا يؤتي ثماره بالدرجة المطلوبة، وهذا ما يتعرض له كبار السن عندما ينتظمون في فصول محو الأمية فإنهم لا يحققون معدلات من التعلم مقارنة بما يحققه أطفال سن السادسة أو السابعة. ثم ننتقل إلى الشرط الثاني وهو الدافعية أو Motivation، حيث يُعرف الدافع بأنه حالة داخلية (سبب داخلي) عند المتعلم تدفعه باستمرار للانتباه وبذل الجهد والنشاط نحو الموقف التعليمي بما يحقق هدفه من التعلم. والمحافظة على استمرارية الدافعية هي مسؤولية المدرسة في الصغير ومسؤولية الوالدين في البيت، أما في الرشد فتكون المسؤولية ملقاة على الراشد ذاته. أما الشرط الثالث فهو التدريب أو Practice، وهو مهم لإتقان المهارة بعد تعلمها، فلا يمكن تعلم قيادة السيارة بزيادة الدافعية فقط أو بتقديم معلومات نظرية، بل يتطلب الأمر ممارستها بشكل مستمر والقلل من الأخطاء. ثم نبدأ بخامساً: أساليب التعلم، وأولها أأسلوب التعلم الشرطي الذي بدأت فكرته في معامل بافلوف.
صفحة ١١٠
انظر إلى صندوق العلماء: بافلوف (Pavlov) عالم روسي متخصص في علم وظائف الأعضاء، كان مهتماً بدراسة فسيولوجية الهضم عند بعض الحيوانات وحصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1904. في صندوق التطبيق، تخيل شخصاً لا تعرفه سأل عنك حتى التقى بك ونقل لك خبراً مفرحاً جداً، بما ستشعر عندما ترى نفس الشخص مرة ثانية ولماذا؟ ثم ننتقل إلى سؤال: ما هو التعلم الشرطي؟ لقد اكتشف بافلوف عن طريق الصدفة أن الكلب يجري عليه الدراسة استجاب للطعام بإفراز اللعاب كما هو طبيعي فسيولوجياً، إلا أنه اكتشف أنه بعد عدة مرات من دخوله على الكلب بالطعام، بدأ الكلب بإفراز اللعاب بمجرد أن يسمع خطوات بافلوف وقبل أن يقدم له الطعام. وهنا قام بافلوف بتصميم تجربة لدراسة هذه الظاهرة، فقام بإجراء عملية جراحية للكلب وتوصيل أنبوب بصدغه يتجمع بها اللعاب بطريقة يمكن قياسها، وأحضر جرساً كأداة لاستخدامها في التجربة كما يظهر في الشكل.
صفحة ١١١
نتابع خطوات تجربة بافلوف: بدأ باستخدام الجرس فكان يقرع جرساً يسمعه الكلب ثم يقدم طعام له. وبعد عدة مرات من تزاين قرع بافلوف للجرس مقترناً بتقديم الطعام، بدأ الكلب يفرز اللعاب بمجرد سماع صوت الجرس فقط الذي هو في الأصل يؤدي إلى إفراز اللعاب وبدون تقديم الطعام، وهنا يمكننا أن نقول إن الكلب تعلم إفراز اللعاب لسماعه صوت الجرس. انظر إلى الأمثلة: نخاف أحدنا من الطبيب لأن أهله يكثرون تخويفه منه عندما كان صغيراً، ونحب مكاناً معيناً لارتباطه بذكرى سارة. في صندوق التطبيق، اذكر تعريف الارتباط الشرطي من وجهة نظرك. ثم انتقل إلى تجربة أخرى تبين أهمية هذا النوع من التعلم وهي تجربة العالم واطسون على الطفل ألبرت بهدف تعميم الاستجابة للخوف من مثير لآخر، حيث استخدم فأراً أبيض وصوت مرتفع مفاجئ ليعمم الطفل خوفه من الصوت إلى الفئران البيضاء وكل ما يشبهها.
صفحة ١١٢
نكمل مع السؤال: كيف نتخلص من مشكلاتنا باستخدام هذا النوع من التعلم؟ انظر إلى اكتشاف ميري كوفر جونز (Mary Cover Jones) وتجربتها على الطفل بيتر الذي كان يخاف من الأرنب، فوضعت الأرنب على مرأى من بيتر وبدأت بإعطاء الطفل الحلوى التي يحبها، ثم بدأت بتقريب الأرنب تدريجياً في جلسات متعددة حتى تخلص بيتر من خوفه من الأرنب بإقран لدغة الحلوى بشعور الخوف من الأرنب، وهو ما يسمى بالاشراط المضاد. تعرف الفوبيا بأنها الخوف المرضي من أشياء لا تثير الخوف عند غالب الناس، كالخوف من الأماكن المغلقة والمصاعد والحشرات. ثم ننتقل إلى الأسلوب الثاني من أساليب التعلم وهو: أسلوب التعلم الإجرائي Operant Conditioning. انظر إلى النشاط الاستهلالي لتتأمل المواقف الآتية: ماذا يحدث عندما يزورك صديقك ويفتح لك الباب أخوك الصغير وتسلّم عليه وتُعطيه قطعة من الحلوى كانت في جيبك، ماذا سيفعل عندما يراك مرة ثانية؟
صفحة ١١٣
العالم الذي اهتم بهذا النوع من التعلم هو العالم الأمريكي سكينر (Skinner)، ويعتقد أن كثير من السلوك الإنساني تقريباً يكون نتيجة التعزيز (التدعيم) من خلال التشجيع أو المديح أو المكافأة ونحو ذلك الذي يحدث بعد صدور السلوك، وهذا التعزيز يجعل الكائن يكرر هذا السلوك مستقبلاً. تعريف التعزيز (Reinforcement) هو كل ما يتبع الاستجابة الإجرائية ويؤدي إلى زيادة احتمالية تكرار تلك الاستجابة في المستقبل، ومن أنواع المعززات: الطعام، والثناء، والحلوى، والهدانا، والنقود، والابتسامة. انظر إلى الأمثلة: إذا أكلت وجبة جديدة وكانت لذيذة وأعجبك طعمها، فإن هذا الشعور الجميل يعتبر تعزيزاً لك للبحث عن هذه الوجبة مرة أخرى. ثم انتقل إلى تجربة سكينر: أحضر سكينر فأراً ووضعه في قفص، فبالصدفة ضغط الفأر على ذراع معين في القفص فيسقط عليه طعام، وهكذا تعرف الحيوان على هذا الذراع وبدأ يضغطه دوماً طلباً للطعام.
صفحة ١١٤
تأمل الشكل في أعلى الصفحة الذي يمثل صندوق سكينر. أي أن سلوك الحيوان قد تغير وتعلم أن يضرب على الرافعة بسبب ما تلا عملية الضرب من تعزيز. فوجود رافعة يؤدي الضغط عليها إلى حصول الحيوان المحجوز في القفص على طعام، فإن الحصول على الطعام (كمعزز) يعزز سلوك الضغط على الرافعة (سلوك إجرائي) بدأ به الحيوان لمجرد وجود الرافعة في القفص عند الحيوان ويؤدي إلى تكراره كلما كان جائعاً. ثم ننتقل إلى أسلوب التعلم الاجتماعي (Social Learning): انظر إلى النشاط الاستهلالي، عندما يلاحظ أبناء محمد أن والدهم لديه ملفاً كاملاً لفقراء الحي، فهو يخصص وقتاً لتوفير ما تحتاجه هذه الفئة، فمن المرجح أن يقوم الأبناء بمثل هذا العمل مستقبلاً. ويرى هذا الأسلوب أننا نتعلم من مراقبتنا لسلوك الآخرين، فالطفل يتعلم الكلام وقواعده من والديه والأشخاص القريبين منه، وصاحب هذه النظرية هو ألبرت باندورا (Albert Bandura).
صفحة ١١٥
انظر إلى تجربة باندورا الشهيرة: قام بتوزيع أطفال إحدى مدارس رياض الأطفال إلى خمس مجموعات؛ الأولى شاهدت شخصاً بالغاً يقوم باستجابات عدوانية على دمية بلاستيكية (نموذج مباشر)، والثانية تعرضت لنفس المشاهد ولكن من خلال فيلم، والثالثة من خلال فيلم كرتوني، والرابعة شاهدت نموذجاً إنسانياً ذي مزاج مسالم وتعامل حسن مع الدمية، والخامسة لم تتعرض لشيء. وبعد عرض النماذج، وُضع كل طفل في وضع مشابه مع دمية بلاستيكية، وقام الملاحظون بمراقبة سلوك الأطفال عبر زجاج نافذة. كانت النتيجة أن الأطفال الذين شاهدوا استجابات عنف في المجموعات الأولى أو الثانية أو الثالثة، قلدوا ما شاهدوه وكانت استجاباتهم العفيفة تفوق كثيراً استجابات المجموعات الأخيرة التي لم تتعرض لمشاهد عنف. نستنتج أن الإنسان يتعلم من البيئة المحيطة به، فالإنسان يلاحظ الحوادث والأشخاص ويبحث عن تلميحات لكيفية السلوك مستقبلاً.
صفحة ١١٦
نتابع آثار التعلم الاجتماعي وأولها: تعلم استجابات جديدة. يستطيع الشخص أن يتعلم سلوكيات جديدة إذا لاحظ الآخرين، كالطفل الذي يلاحظ والده يسلم على الأصدقاء قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف الحال؟ ومثل تعليم الأطفال لعبة كرة السلة عن طريق مدرب يعلمهم مسك المضرب أو مسك الكرة وحركتها في السلة. وقد ثبت أهمية التعلم بالملاحظة في تعليم المهارات الحركية الرياضية. ومن المهم مراقبة ما يراه الأطفال في التلفزيون وفي الألعاب الحديثة مثل الألعاب الإلكترونية المختلفة. الأثر الثاني هو: الكف، ويقصد بالكف الإيقاف أو الامتناع عن سلوك معين، فعندما يدفع أحد الأقارب غرامة مالية كبيرة نتيجة سرعته بالسيارة، قد تؤدي عملية المعاقبة بالآخرين المستمعين إلى تجنب السرعة خوفاً من الغرامة. ثم ننتقل إلى الأسلوب الثالث: أسلوب التعلم بالمحاولة والخطأ (Learning by trial and error) وهو أسلوب كشف عنه ثورندايك (Thorndike).
صفحة ١١٧
انظر إلى تجربة ثورندايك: أعد حوضاً زجاجياً به ماء، وظلل جزءاً منه ليمنع وصول الضوء إليه ووضع بهذا الجزء المظلم بعض الطعام ووضع في الجزء الآخر المضيء نوعاً من السمك (سمك المينو) وهو نوع يميل إلى الظلام، وكان جائعاً، ووضع بالحوض حاجزاً زجاجياً به فتحة صغيرة، وهذا الحاجز يفصل بين الجزء المضيء والجزء المظلم. وقد لاحظ ثورندايك أن هذا النوع من السمك الذي يميل إلى الظلام، كان يحاول أن يتجه إلى الظلام بمجرد وضعه في الجزء المضيء، ولكن الحاجز الزجاجي يقف حائلاً إلى أن اكتشف بطريقة عشوائية وبالمصادفة الفتحة التي استطاع أن ينفذ منها إلى الظلام والطعام. وبتكرار التجربة عدة مرات، أخذت أخطاء السمك في العبور من الفتحة تقل، كذلك قل الزمن المستهلك، إلى أن انتهى الأمر إلى أن السمكة كانت تنفذ إلى الظلام بمجرد وضعها في الجزء المضيء من الحوض. والتعليم عن طريق المحاولة والخطأ يعد من الوسائل المهمة في اكتساب المهارات.