صفحة ٧٤
انظر إلى تعريف المعجم: هو كتاب يجمع ألفاظ اللغة ليشرحها ويفسرها، ويرتبها ترتيباً خاصاً هجائياً أو موضوعياً، ويبين اشتقاق الكلمة وطريقة نطقها ومواضع استعمالها مع شواهد. المعجم مرجع لا غنى عنه لكل فئات المجتمع، لكن الكثير من الطلاب لا يرجعون إليه لجهلهم بطريقة البحث فيه أو لغياب الوعي بأهميته، لذا يأتي هذا الدرس لردم هذه الثغرة. انظر إلى مصادر ألفاظ المعاجم في الأسفل: لقد استمدت المعاجم ألفاظها من أربعة مصادر رئيسية هي القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر العربي حتى منتصف القرن الثاني الهجري، والنثر العربي من خطب ووصايا وأمثال ونوادر حتى نهاية القرن الثاني الهجري.
صفحة ٧٥
كيف جمعت مادة المعاجم؟ لقد جاء الجمع بطرق ثلاث: سماعاً من الأعراب عند قدومهم للأمصار أو بالذهاب إليهم في الصحراء، أو استنباطاً من لغة القرآن والحديث والشعر وأخبار العرب ممن لم يختلطوا بالأعاجم في وسط جزيرة العرب في زمن الاحتجاج. وتفرعت اتجاهات الجمع إلى ثلاثة: أولها جمع الألفاظ الخاصة ببعض الموضوعات كرسائل صغيرة لأسماء الوحوش أو السلاح، وثانيها جمع الألفاظ الموضوعة للمعاني وترتيبها حسب أطوارها ككتابات ابن السكيت وابن سيده، وثالثها جمع الألفاظ على نظام معجبي دقيق وهو السائد في أغلب المعاجم العربية. أما مراحل التأليف فمرت بثلاث مراحل تبدأ بالتدوين دون ترتيب، ثم التدوين في رسائل صغيرة مبنية على معنى أو حرف، وتنتهي بوضع المعاجم العامة الشاملة. وللمعجم وظيفتان أساسيتان هما بيان معاني الألفاظ بطرق متعددة، وبيان ضبط الألفاظ بالشكل.
صفحة ٧٦
وهناك وظائف أخرى تقدمها بعض المعاجم؛ مثل تقديم معلومات صوتية، أو تقديم فوائد نحوية وصرفية ببيان التعدي واللزوم والجمع ونوع الكلمة، أو بيان أصل الكلمة إن كانت معربة أو دخيلة أو مولدة، أو ذكر الأمثلة والشواهد والنصوص. أما ضبط كلمات المعجم فتختلف فيه المعاجم، فمنها ضبط الكلمة بالشكل المناسب مثل ذهب، أو التعبير عن الحركة مثل براق بالضم، أو بيان باب الفعل المضارع لتحديد حركة عينه مثل باب نصر أي مضموم العين في المضارع نصر ينصر، أو قياس الكلمة على كلمة أخرى أشهر منها مثل صراخ على وزن غراب. وتستخدم المعاجم الحديثة رموزاً مثل فتحة أو ضمة أو كسرة على عين المضارع. انظر إلى الرموز المستخدمة في المعاجم للدلالة على الاختصار؛ مثل نقطة قبل الكلمة للدلالة على أن أصل ألفها واو مثل رجا، أو ياء قبلها للدلالة على أن أصل ألفها ياء مثل مشى، أو الهاء للدلالة على التأنيث بالتاء، أو ميم للدلالة على أن الكلمة معروفة، أو عين للدلالة على موضع ومكان، أو دال للدلالة على بلد، أو جيم للجمع.
صفحة ٧٧
تتابع رموز المعاجم؛ مثل مذ للدلالة على المذكر، ومؤ للدلالة على المؤنث. وتنقسم المعاجم إلى نوعين: معجم أحادي اللغة وثنائي اللغة، فالنوع الأول يفسر ألفاظ القوم بنفس اللغة للناطقين بها، والنوع الثاني يحتاجه متعلمو اللغة من غير الناطقين بها. وهناك قسمان أساسيان للمعاجم هما معاجم المعاني أو الموضوعات، ومعاجم الألفاظ. انظر إلى معجم المعاني: إنه يفيدنا حين يدور في خلدنا معنى ولا ندري كيف نعبر عنه بدقة، حيث يرتب ألفاظه على معانيها وموضوعاتها في أبواب أو فصول ووضعها في فلك موضوع واحد مثل الغريب المصنف لأبي عبيد والمخصص لابن سيده، وفقه اللغة وسر العربية للثعالبي. ومهمة معاجم المعاني تقديم اللفظ المناسب للمعنى الذي نريده، وتساعد في إيجاد المفردات العربية لما يسمى بألفاظ الحضارة دون حاجة لتعريبها. انظر إلى المثال المأخوذ من كتاب فقه اللغة وسر العربية للثعالبي في الأسفل لترى كيف تُفصَّل مراتب الأشياء وأولها وآخِرها؛ فالصبح أول النهار، والغسق أول الليل، والوسمي أول المطر.
صفحة ٧٨
أما معاجم الألفاظ فتقدم لنا شرح اللفظ الذي استغلق علينا فهمه وترتب موادها على الحروف الهجائية، وهي نوعان: الأول مرتب حسب مخارج الحروف بدءاً من الحلق وانتهاء بالشفتين، ورائد هذه المدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجم العين، وجَمَع بين هذه الطريقة وبين نظام التقلبيات الأزهري في التهذيب. والنوع الثاني مرتب على ترتيب الحروف الهجائية الألفبائي، وله طريقتان؛ الأولى طريقة الصحاح للجوهري ولسان العرب لابن منظور وهي طريقة الباب والفصل حيث تُرتّب الكلمات في باب الحرف الأخير من جذورها ثم تُرتّب ترتيباً هجائياً داخل الباب بعد ذلك مثل ف (بدأ) و(نشأ) توجدان في باب الهمزة الأولى في فصل الباء والثانية في فصل النون. والطريقة الثانية في معاجم اللغات الأخرى رتبت الكلمة حسب حرفها الأول وهي معروفة في بعض المعاجم العربية غير الحديثة مثل أساس البلاغة للزمخشري ومقاييس اللغة لابن فارس، حيث وضع الكلمة في باب الحرف الأول من جذورها مع مراعاة الترتيب الهجائي أيضاً في الحرف الثاني والثالث. انظر إلى مثال أساس البلاغة للزمخشري وكيف يشرح معاني الجذر لغو ومشتقاته في السياقات المختلفة. أما نظام التقلبيات فهي المدرسة الأولى والمدعامة في تأليف معاجم اللغة، ويقصد منها جمع الكلمات المكونة من حروف واحدة تحت نطاق واحد، فمثلا الكلمات المكونة من الراء والكاف والباء يبحث عنها في باب واحد مهما اختلف ترتيبها.
صفحة ٧٩
انظر إلى أ) مدرسة التقلبيات الصوتية: وهي التي تجمع الكلمات التي أتحدث حروفها وتجعلها في نطاق واحد، مع ملاحظة الناحية الصوتية ووضعها تحت أبعد الحروف مخرجاً فيبدأ بالحلقي ثم اللساني ثم الشفهي، فكلمة كرب أو كبر مكونتان من الراء ومخرجها من اللثة والكاف من اللسان والباء من الشفتين فنجدهما في باب الكاف لكونه أبعد المخارج. وأول من سن هذه الطريقة الخليل بن أحمد في كتاب العين، وتتبعه الأزهري في التهذيب وأبو علي القالي في البارع. انظر إلى مثال من كتاب العين لأحمد الفراهيدي في باب العين والشين والنون ومعهما: (ش ن ع، ن ش ع، ع ن ش مستعملات، ع ش ن، ش رع ن مهملات)، ثم شرح معنى شَنِع. انظر إلى ب) التقلبيات الأبجدية العادية: وهي التي تجمع الكلمات على النسق السابق ملاحظاً وضعها تحت أول الحرف ترتيباً، ففي الكلمات السابقة والمكونة من الراء والكاف والباء نجد أن أول الحروف ترتيباً هو الباء ويذكر بعدها هذه الكلمات المكونة من هذه الحروف في تلك المادة، وقد اتبع هذه الطريقة ابن دريد في الجمهرة. انظر إلى طريقة البحث عن الكلمة في المعاجم: للبحث عن الكلمة يلزم تحديد حروفها الأصلية، وللوصول إلى أصل الكلمة تحذف الحروف الزائدة إن وجدت كحروف (است) في استَفهم لتصل إلى الأصل (ف هم)، ويرد المحذوف إن كان هناك حرف محذوف فالكلمة (كُلْ) أصلها (أ ك ل) تعاد الهمزة إليها، وترد حروف العلة إلى أصلها إن وجدت، ولتحديد أصلها في الفعل يؤخذ المضارع والمصدر فإن انطلقت إلى واو فأصلها واو وإن انطلقت إلى ياء فأصلها ياء، ومثال اليائي (باع) مضارعها يبيع ومصدرها بيع فأصل الكلمة (ب ي ع)، ومثال الواوي (قال) مضارعها يقول ومصدرها قول فأصل الكلمة (ق و ل).
صفحة ٨٠
ولتحديد أصلها في الاسم يؤى بالمفرد والمثنى والجمع وبالتصغير وبالنسب إليها، ومثال الواوي: عصا (آلة الضرب) وتثنى على (عصوان) إذن أصل الألف (واو)، ومثال اليائي: قرى؛ فإن مفردها قرية؛ إذن أصل الألف ياء. انظر إلى الخطوات الأخرى: حذف (ال) من الأسماء، ومعرفة الطريقة المتبعة في كل معجم، وبعد ذلك نبحث عن الكلمة بحروفها المجردة حسب طريقة المعجم المراد البحث فيه. والمععجم على اختلاف أنواعها قد تحتوي على أنواع مختلفة من المفردات غير العربية في أصل وضعها، ومنها المعرّب والمولّد أو الدخيل، وفيما يأتي تعريف موجز بهذه الأنواع، يليها تعريف موجز بالترجمة. انظر إلى المعرّب: دخل في اللغة العربية منذ العصور القديمة بعض الكلمات من لغات شتى، وتكلمت بها العرب، وأوردها الفصحاء في كلامهم، وذكرها الشعراء في أشعارهم، وورد بعضها في القرآن الكريم والحديث الشريف، ولقد عُني علماء العربية بهذه الطائفة من الكلمات، ووضعوا لمعرفتها ضوابط، وسموها الكلمات المعرّبة. عرفه الجوهري في الصحاح بقوله: أن تتفوه به العرب على مناهجها. وفي المعجم الوسيط: التعريب صبغ الكلمة بصبغة عربية عند نقلها باللفظ الأجنبي إلى اللغة العربية. والعرب غيروا الأسماء الأجنبية، وأبدلوا الحروف التي ليست من حروف قريبة من مخرجها، ورما غيروا البناء من الكلام الأعجمي، وجعلوه على أبنية اللغة العربية، وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من آخر أو زيادته أو نقصانه، أو إبدال حركة بحركة أو إسكان متحرك أو تحريك ساكن. والمعرب الذي تلقته العرب من العجم، نحو: سفرجل، ثم ما أمكن حمله على نظيره من الأبنية العربية حملوه عليه، ورما لم يحملوه على نظيره بل تكلموا به كما تلقوه، ورما تصرفوا به فاشتتقوا منه. ويشترط في المعرب شرطان: الأول أن يكون اللفظ الأعجمي المنقول إلى اللغة العربية قد جرى عليه إبدال في الحروف وتغيير في البناء حتى صار كالعربي صياغة، والثاني أن يكون اللفظ قد نقل إلى العربية في عصر الاستشهاد.
صفحة ٨١
وكلمة تعريب يراد بها أحد معان ثلاثة هي: إخضاع اللفظ الأجنبي للوزن العربي، ونقل النصوص من لغة أجنبية إلى اللغة العربية وهو بهذا يلتقي مع الترجمة، واستعمال اللغة العربية لغة للتعليم في العالم العربي بجميع مراحله وتخصصاته وأبحاثه بمعنى سيادة اللغة العربية في وطننا. انظر إلى أمثلة المعرب بمعناه الأول وهو الغالب عند الإطلاق: ديوان، الزبرجد، الفرسخ، السمسار، البنفسج، الطراز، أرجوان، فسطاط، كنيسة، مسيح، كهنوت، توراة، أسباط، منبر، تابوت، وكل واحد منها له أصل بلغة أجنبية معينة كالفارسية واليونانية والسريانية والعبرية والحبشية.
صفحة ٨٢
أما القواعد التي وضعها العرب لتمييز العربي من المعرّب فمنها: لا يجتمع في أصل عربي جيم وقاف مثل قبج وجوسق وجلاهق ومنجنيق، ولا يجتمع في أصل عربي صاد وجيم مثل صنج وصولجان، ولا يرد في أصل عربي زاي بعد دال مثل مهندز وهنداز، ولا يرد في أصل عربي ذال بعد دال مثل داذي، ولا يرد في أصل عربي راء بعد نون مثل نرجس، وليس في أصل عربي كلمة مبنية من باء وسين وتاء مثل بستان، وخروج اللفظة عن أوزان الألفاظ العربية وصيغها نحو إبريسم فإن هذا الوزن مفقود في أوزان الأسماء العربية، وأن يكون اللفظ رباعياً أو خماسياً ليس فيه حرف من حروف الذلاقة وهي (ن، ل، ر، ف، م، ب) فإنه متى كان عربياً لابد أن يكون فيه شيء منها. انظر إلى المولّد والدخيل: الدخيل مأخوذ من قولهم فلان دخيل في بني فلان إذا كان من غيرهم، والمولد ما نقل إلى العربية بعد عصر الاستشهاد يسمى مولداً، وقال الخفاجي ما عربه المتأخرون يعد مولداً، وكثيراً ما يقع مثله في كتب الحكمة والطب. وما اشتق بعد انقضاء عصر الاستشهاد من معرب قديم يعد أيضاً مولداً. والفرق بين المعرب والدخيل أن الدخيل أعم من المعرب، فيطلق على كل ما دخل في اللغة العربية من اللغات الأعجمية سواء أكان ذلك في عصر الاستشهاد أم بعده، وسواء خضع عند التعريب للأبنية العربية أم لم يخضع، وسواء كان نكِرة أم علماً. قال الكسائي: إن الديوان بالفتح لغة مولدة. انظر إلى النحت: وهو نوع من الاشتقاق، فالعرب كما قال ابن فارس تنحت من كلمتين أو أكثر كلمة واحدة وهو من جنس الاختصار، والنحت من كثرته عن العرب سماعي، ونقل عن ابن فارس أنه قياسي، ولا يشترط فيه الأخذ من كل الكلمات، ولا موافقة الحركات والسكنات.
صفحة ٨٣
وأمّا ما ورد منه نوعان هما: الأول نحت فعل من جملة للدلالة على النطق بها ويلحق بالفعل مصدره، ومنه: حَمْدَلَ، حَمْدَلَةً، إذا قال: الحمد لله. بَسْمَلَ، بَسْمَلَةً، إذا قال: باسم الله. حَيْعَلَ، حَيْعَلَةً، إذا قال: حيّ على كذا. دَمْعَزَ، دَمْعَزَةً، إذا قال: دام عزك أو أدام الله عزك. سَبْحَلَ، سَبْحَلَةً، إذا قال: سبحان الله. حَسْبَلَ، حَسْبَلَةً، إذا قال: حسبنا الله. وهذا الضرب أكثر من غيره في اللغة العربية. والنوع الثاني هو النحت من العلم الإضافي عند النسب إليه، وقد سمع من العرب الأولين ثلاث كلمات هي: عبشمي منسوب إلى عبد شمس، وعبدري منسوب إلى عبد الدار، وعَبقسي منسوب إلى عبد القيس. انظر إلى الترجمة: يقال ترجم فلان كلامه إذا بينه وأوضحه، وترجم كلام غيره؛ إذا عبر عنه بلغة غير لغة المتكلم أي نقله من لغة إلى أخرى. والفاعل ترجمان والجمع تراجم. والتاء والميم أصليتان، فوزن ترجم فَعْلَلَ. ومثال ذلك من الكلمات المعاصرة لفظة راديو فإذا أخذت بحروفها من اللغة التي ابتكرت الاسم كان اللفظ معرباً، وإذا جعل لها من العربية كلمة عربية فتلك هي الترجمة، وقد ترجمها بعضهم بكلمة مذياع، وهذا هو الفرق بين الترجمة والتعريب.