الدرس السابع والعشرون: معنى الحق في القرآن والسنة
انظر إلى التمهيد: الإنسان بطبعه كائن مدني يعيش في جماعة، وهذا العيش يولد تبادلاً للمنافع. لكن غريزة التملك تجعل كل فرد يتطلع لحيازة ما يحتاج إليه، ولو تُرك الأمر بلا نظام عادل يدير العلاقات، لدفع القوي الضعيف إلى الاستغلال والاعتداء. من هنا نشأت الحاجة الملحة لوجود نظام عادل يحدد الحقوق والواجبات ويحميها. تأمل بعد ذلك كيف ورد مصطلح الحق في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة؛ فهو يأتي أحياناً اسماً من أسماء الله الحسنى، كما يشير في مواضع أخرى إلى الرسالات السماوية وما أنزل على الأنبياء. كما يطلق الحق على الحكم العدل والقضاء بين الناس، ويأتي أحياناً بمعنى الدين الثابت في ذمة المدين كما في آية الإملاء الطويلة، وأخيراً يأتي بمعنى حق الله تعالى على عباده أو حق ذوي القربى والمساكين في الأموال.
يقوم الدرس على تبيان معاني مصطلح الحق كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث لا يقتصر الحق على معنى واحد بل يتعدد بتعدد السياقات. ففي القرآن يأتي بمعنى اسم الله تعالى كما في (سورة الأنعام، الآية 62)، أو بمعنى الرسالات السماوية والأنبياء كما في (سورة الحج، الآية 6)، أو بمعنى حكم الله تعالى (سورة الأنعام، الآية 57)، أو بمعنى الدين الثابت في ذمة المدين (سورة البقرة، الآية 282)، أو حق الله على عباده وحق ذوي القربى والمساكين (سورة الإسراء، الآية 26). وفي السنة النبوية يأتي دلالة على الوحي الإلهي، أو الدين الصحيح، أو الصدق الواقع الثابت، أو الواجبات المدنية، أو وجه صرف المال، أو حقوق المسلم على المسلم. مثال ذلك: عندما يُطلب من المدين توثيق دينه وكتابته كما جاء في سورة البقرة الآية 282، فإن الحق هنا يُراد به الدين الثابت في ذمة المدين.
الفكرة الأساسية
مفهوم الحق في الشريعة الإسلامية ليس جامداً، بل يتسع ويتعدد بتعدد السياقات في القرآن الكريم والسنة النبوية، ليدظل في معاني أسماء الله، والوحي، والعدل، والدين، والواجبات المدنية، والحقوق المالية والاجتماعية.
الشرح
خذ مصطلح الحق وتأمل كيف يتنقل بين النصوص. في القرآن الكريم، تجد الحق يأتي اسماً من أسماء الله الحسنى، وتجد القرآن يستعمله إشارة إلى الرسالات السماوية والأنبياء مثلما جاء في (سورة الحج، الآية 6)، وتارة يأتي بمعنى حكم الله تعالى كما في (سورة الأنعام، الآية 57). وتشير الاستعمالات أيضاً إلى أن الحق يأتي بمعنى الدين الثابت في ذمة المدين، ومن ثم جاء الأمر الإلهي بكتابة الديون وتوثيقها بدقة وعدل كما ورد في (سورة البقرة، الآية 282). وأخيراً يأتي بمعنى حق الله تعالى على عباده، وحق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل كما في (سورة الإسراء، الآية 26)، وحقهم في الأموال كما في (سورة المعارج، الآية 24).
أما في السنة النبوية، فالأمر مشابه حيث استعمل الحق في معانٍ عدة؛ فقد يأتي كناية عن الوحي الإلهي في قصة بدء الوحي في غار حراء، أو بمعنى الدين الصحيح في حوار الصحابة يوم الحديبية، أو بمعنى الصدق الواقع الثابت كما في دعاء النبي في قيام الليل. كما استُعمل بمعنى الواجبات المدنية على الأفراد تجاه المجتمع والحكومة في قول النبي عن الأثرة وأمور تنكرونها (تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم). واستُعمل فيما ينبغي من وجوه صرف المال كمن أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، وأخيراً يأتي بمعنى حقوق المسلم على المسلم الستة في حديث أبي هريرة.
مثال محلول خطوة بخطوة
انظر إلى نص آية الدين في (سورة البقرة، الآية 282): (فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا). الخطوة الأولى: حدد مصطلح الحق في النص. تجد النص يقول (الذي عليه الحق). الخطوة الثانية: اربط النص بالسياق والفقه اللغوي للآية. السياق يتحدث عن المداينة والديون. الخطوة الثالثة: استنتج المعنى المقصود. الحق هنا يعني الدين الثابت في ذمة المدين، فالذي عليه الحق هو المدين الذي ثبت في ذمته الدين للغريم.
أخطاء شائعة
- الاعتقاد بأن كلمة الحق في القرآن والسنة لها معنى واحد فقط.
- الخلط بين إطلاق الحق بمعنى الوحي أو الرسالة وبين إطلاقه بمعنى الدين المالي.
- إهمال ربط النص الشرعي بالسياق الذي ورد فيه لتحديد المعنى الدقيق للحق.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما المعنى المراد لمصطلح الحق في قول النبي عن حقوق المسلم على المسلم (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه...)؟ الإجابة: يأتي بمعنى حق الله تعالى على عباده وحقوقهم بين بعضهم البعض.
السؤال الثاني: كيف استُعمل مصطلح الحق في قوله تعالى (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) في (سورة الحج، الآية 6)؟ الإجابة: استُعمل إشارة إلى الرسالات السماوية وما أنزل على الرسل والأانبياء.