الدرس الثاني: نشأة التدوين التاريخي عند المسلمين
انظر إلى الصفحة، وتحديداً في أعلاها حيث عنوان الدرس الثاني نشأة التدوين التاريخي عند المسلمين. قبل ظهور الإسلام، كان العرب يتناقلون أخبارهم وأيامهم ش شَفْهاً عبر الروايات والأشعار لعدم تدوينها في السطور، بل حفظها في الصدور. كانت الحوادث الكبرى لديهم تمثل نقاط علام زمنية، مثل بناء الكعبة، وعام الفيل الذي غزا فيه أبرهة الحبشي مكة فهلك بطير أبابيل عام 571 ميلادي، وحرب البَسوس بين قبيلتي بكر وتغلب التي استمرت أربعين سنة، ويوم ذي قار الذي انتصرت فيه العرب على العرس في موضع شمال غرب البصرة. مع مجيئ الإسلام تغير مفهوم التاريخ ليتسع ويشمل الأمم الماضية، واستخلاص العبر والاعتبار، فالإسلام دين جميع الأنبياء والرسل كما تشير الآية 19 من سورة آل عمران، وهو الحنيفية دين إبراهيم الخليل كما جاء في الآية 67 من سورة آل عمران. الحاجة للتاريخ ظهرت مع بناء الدولة الجديدة للاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في الإدارة والسياسة المالية فدعت لتوثيق ذلك وكتابته.
يقوم الدرس على تتبع قصة نشأة التدوين التاريخي عند المسلمين، وكيف تحول من روايات شفهية وأشعار وأيام العرب وحوادث كبرى مثل بناء الكعبة وعام الفيل وحرب البسوس، إلى علم منظم وموثق. يفسر الدرس أسباب هذا التطور ومنها العناية بجمع أخبار السيرة النبوية ومعرفة أحوال الأمم الماضية واتساع مساحة البلاد الإسلامية وظهور التقويم الهجري في علاقة واضحة بتوثيق الزمن. يمر التطور بمراحل تطور السيرة النبوية، وأخبار الفتوح، والرحلات والترجمة، وتواريخ المدن، وصولا إلى البعد الفلسفي في الكتابة التاريخية عند ابن خلدون. فمثلا، حين احتاج المسلمون لضبط مقادير الجباية والخراج بعد اتساع الأقاليم، استدعى ذلك جمع أخبار الفتوح الإسلامية وتدقيقها في أزمنتها.
الفكرة الأساسية
التحول من الرواية الشفهية المحفوظة في الصدور إلى التدوين المكتوب المنظم لأخبار التاريخ والسيرة النبوية وأحوال الأمم، مدفوعاً بأسباب دينية واجتماعية وسياسية وثقافية.
الشرح
كان العرب قبل الإسلام يتناقلون أخبارهم وأيامهم عبر الروايات الشفهية والأشعار، ويؤرخون بالحوادث الكبرى مثل بناء الكعبة وعام الفيل وحرب البسوس ويوم ذي قار. فلما جاء الإسلام، توسع المفهوم الزمني ليشمل الأمم الماضية. لأسباب تشمل العناية بالسيرة النبوية، ومعرفة أحوال الأمم في القرآن الكريم، واتساع مساحة البلاد الإسلامية وما تطلبه من تنظيم الإدارة والمال والحروب، والتمييز بين الأقاليم عنوة أو صلحاً لضبط الجباية والخراج، وتواريخ الشعوب، وظهور التقويم الهجري في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتحديد السنوات بالأرقام.
مر التطور بمراحل تشمل كتابة السيرة النبوية التي بدأت مع جمع الأحاديث وتأليف المغازي والسير باعتماد الإسناد أساسا للرواية على يد علماء مثل عروة بن الزبير ومحمد بن إسحاق. ثم ظهرت أخبار الفتوح وأخبار القدماء والأمم المجاورة بعد اتساع نطاق البحث التاريخي وتخصص كتاب في جمع أخبار الجاهلية وحوادث الدعوة الإسلامية. ثم جاءت مرحلة الرحلات والترجمة بعد هدوء الفتوح واطمئنان المسلمين في الأمصار الجديدة، حيث نشط طلبة العلم في الرحلة لسماع العلم والحديث وتأليف الكتب ونقل العلوم من اللغات الاخرى والاستفادة من الوثائق الرسمية كما ظهر عند الخطيب البغدادي. ثم ظهرت تواريخ المدن مع تفكك الدولة الإسلامية سياسيا إلى دويلات متعددة فظهرت التواريخ المحلية وطبقات العلماء لكل إقليم مثل تاريخ بغداد وتاريخ دمشق لابن عساكر. وأخيرا ظهر البعد الفلسفي بعد أحداث كبرى مثل العدوان الصليبي والهجوم المغولي وسقوط الدولة العباسية، حيث اتجه المسلمون نحو منحى فلسفي يتأمل الحوادث ويبحث في أسباب قيام الدول وعلل سقوطها كما ظهر لدى ابن خلدون في مقدمته.
مثال محلول خطوة بخطوة
لو سئلت: لماذا ظهر التقويم الهجري في علاقة مباشرة مع تنظيم الدولة الإسلامية؟ الخطوة الأولى هي ملاحظة اتساع مساحة البلاد الإسلامية وتعدد الأقاليم المفتوحة عنوة أو صلحا. الخطوة الثانية هي الحاجة الملحة لضبط مقادير الجباية والخراج وتحديد أوقات الحوادث والمعارك بدقة. الخطوة الثالثة هي اتفاق المسلمين في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ الهجرة النبوية إلى المدينة أساسا للتاريخ، مما ساعد المؤرخين على تحديد السنوات بالأرقام وتدوين الأحداث بمعيار زمني ثابت لا يعتمد على التخمين.
أخطاء شائعة
الاعتقاد بأن التدوين التاريخي عند المسلمين بدأ منذ العصر الجاهلي بشكل مكتوب، والصحيح أنه كان شفهياً في الصدور. الظن بأن علم التاريخ الإسلامي اقتصر على السيرة النبوية وحدها، بينما تطور ليشمل أخبار الأمم والفتوح والرحلات وتواريخ المدن والتحليل الفلسفي للعمران. الخلط بين السند وهو سلسلة الرواة وبين المتن وهو الكلام الذي انتهى إليه السند.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما هو السند والمتن بحسب ما ورد في الدرس؟ الإجابة: السند أو الإسناد هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر، وأما المتن فهو الكلام أو النص الذي انتهى إليه السند.
السؤال الثاني: ما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور تواريخ المدن وتأثر التدوين التاريخي منذ القرن الثالث الهجري؟ الإجابة: تأثر التدوين التاريخي بالاتففك السياسي الذي أصاب الأمة الإسلامية وحولها إلى دويلات متعددة، مما أدى إلى ظهور تواريخ محلية وطبقات لعماء كل إقليم مثل تاريخ بغداد وتاريخ دمشق.