الدرس الثالث والثلاثون: القاعدة الخامسة: (العادة محكّمة)
انظر إلى التمهيد: لماذا يلزم القاضي والمفتي معرفة أعراف البلد؟ لأن الأحكام التي تتبع العادة تتغير بتغيرها. وكلمة العادة تعني الأمر المتكرر عند أغلب الناس حتى يصبح مألوفاً مستقراً. أما كلمة محكمة فمأخوذة من الحكم والقضاء والفصل بين الناس. إذن معنى القاعدة: ما اعتاده الناس وتعارفوا عليه من أقوال وأفعال ولم يخالف نصاً شرعياً ولا ضابطاً في الشرع ولا في اللغة، فهو مرجع عند النزاع. وانظر إلى الأدلة: وردت نصوص في سورة النساء (الآية ١٩) وسورة البقرة (الآية ٢٢٨) وسورة النساء (الآية ٦) تأمر بمعاشرة النساء بالمعروف، وإيتاء مثله الذي عليهن، وأن ينفق ذو سعة من سعته، ومعروف هنا يعني ما اعتاده الناس واستقر في عرفهم.
قاعدة العادة محكمة تعني أن ما اعتاده الناس وساروا عليه في أقوالهم وأفعالهم يكون مرجعاً عند عدم وجود ضابط شرعي أو لغوي، بشرط ألا يخالف نصاً شرعياً. تقوم الفكرة على اعتبار العرف مصدراً يُرجع إليه لتفسير الألفاظ وتحديد الحقوق التي لم تُحدد بنص محدد، مثل تقدير الحرز في السرقة أو تحديد النفقة. فأصل العادة أنها محكّمة في فض النزاعات وتفسير العقود ما لم يصرح المتعاقدان بخلاف ذلك، وتنقسم إلى أقسام متعددة كالعرف اللفظي والعملي والعام والخاص والصحيح والفاسد.
الفكرة الأساسية
العادة هي الأمر المتكرر عند أغلب الناس حتى يكون مقبولاً غير مستنكر، ومحكّمة تعني مأخوذة من الحكم وهو الفصل والقضاء بين الناس، ومعنى القاعدة أن ما اعتاده الناس وتعارضوا عليه من الأقوال والأفعال ولم يخالف نصاً شرعياً، وليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة، فإن مرجعه إلى العرف والعادة المعتبرة.
الشرح
تنقسم مجالات إعمال العرف إلى مجالات متعددة؛ أولها إذا ورد لفظ مطلق في أدلة الشريعة ليس له حد شرعي ولا لغوي، فنرجع في تحديده إلى العرف الصحيح كالحرز في السرقة والنفقة للزوجة والقريب. وثانيها تفسير ألفاظ الناس في معاملاتهم من بيع وإجارة وغيرها بناء على دلالة العرف في البلد الذي هم فيه. وأما أقسام العرف فتنقسم باعتبار موضوعه إلى عرف لفظي كاستعمال اللفظ في غير ما وضع له في أصل اللغة كاستعمال السيارة للآلة المعروفة، وعرف عملي كاعتياد الناس على عادات معينة في الأكل واللباس وتقديم الأجرة قبل استيفاء المنفعة. وينقسم باعتبار مصدره إلى عرف عام وهو ما تعارف عليه جميع الناس أو غالبهم كعقد الاستصناع، وعرف خاص وهو ما تعارف عليه أهل بلد أو اختصاص. وينقسم باعتبار مشروعيته إلى عرف صحيح وهو ما لا يحرم حلالاً ولا يحلل حراماً، وعرف فاسد وهو ما يخالف النصوص الشرعية. وتتفرع عن القاعدة قواعد أخرى؛ الأولى: المعروف عرفاً كالمشروط، والثانية: المعروف عند التجار كالمشروط بينهم، والثالثة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
مثال محلول خطوة بخطوة
إذا تَبايع اثنان سلعة بأربعين ألفاً، ثم اختلفا، فقال البائع أربعين ألف دولار، وقال المشتري بل أربعين ألف ريال سعودي، فما الحكم؟ الخطوة الأولى: نحدد موطن النزاع وهو إطلاق لفظ ألف بدون تحديد نوع العملة. الخطوة الثانية: نطبق قاعدة العادة محكمة ومجال إعمال العرف في تفسير ألفاظ الناس. الخطوة الثالثة: ننظر إلى العرف السائد والبلد الذي تم فيه التعاقد، فإذا كانا في المملكة العربية السعودية فالاعتبار بالريال السعودي لكونه العملة المتعامل بها عند الإطلاق. النتيجة: يُحكم بأن المقصود هو أربعين ألف ريال سعودي لكون العرف يحدده ويقطع النزاع.
أخطاء شائعة
الاعتماد على العرف الفاسد الذي يخالف النصوص الشرعية مثل تعارف أهل بلد على الاقتراض بالربا أو ترك توريث المرأة، فهذا مردود ولا عبرة به لمخالفته الأدلة الشرعية. الخلط بين العرف اللفظي والعرف العملي عند تفسير المعاملات. الظن بأن العرف يلغي النصوص الشرعية، والصواب أن العرف يُعمل به فيما لا نص فيه ولا يخالف الشرع.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما معنى قاعدة العادة محكمة؟ الإجابة: أن ما اعتاده الناس وتعارضوا عليه من الأقوال والأفعال ولم يخالف نصاً شرعياً، وليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة، فإن مرجعه إلى العرف والعادة المعتبرة. السؤال الثاني: هات مثالاً على العرف اللفظي. الإجابة: لفظ السيارة الذي يطلق في الأصل على القافلة والجماعة السائرين معاً، وعرفاً يُطلق الآن على السيارة المعروفة.