ثانيا: مقاييس نقد القصة (٢)
تستكمل هنا عناصر الحبكة، لنصل إلى الصراع وهو محرك الأحداث الذي يولد من الداخل أو الخارج كالتنافس والتطمع. ثم تأتي العقدة لتشكل المشكلة الرئيسية وتأزم الأمور، يعقبها الحل الذي ينهي الأزمة كليا أو جزئيا بشكل مقنع سياقيا. يضرب لك مثالا بتحول بخيل لسبب قنعه بضرورة الزيارة. يعرض النص أيضا ما يسمى بالحلول البسيطة كاستيقاظ الشخصية من النوم، أو إنهاء الشخصية بالموت، أو اعتماد مبدأ المصادفة البحتة، وهنا يتدخل الكاتب بحذر، فالمصادفة القليلة جدا مقبولة متى سوغتها الأحداث، بينما المصادفة المفرطة تفقد العمل قيمته الفنية لتنافيها مع المنطق الواقعي.
يقوم درس مقاييس نقد القصة على تحليل العناصر الفنية التي تبنى عليها القصة والرواية، وتحديداً عناصر الحبكة، والزمان، والمكان، والحوار. فالحبكة تتكون من البداية، والصراع، والعقدة، والحل، والنهاية، ولها أشكال وأنماط مختلفة كالمنطقي والمصطنع. والزمان ينقسم إلى واقعي يخضع للكون وقوانينه، ونفسي يتمدد أو يتقلص حسب المشاعر مثل الألم والانتظار. أما المكان فهو الميدان الحي الذي تجري فيه الأحداث ويكشف عن مشاعر الشخصيات ومستوى معيشتها. وأخيراً الحوار هو أداة تنمية الأحداث وكشف الخبايا النفسية، ويجب أن يتميز بالواقعية واللغة العربية الوسطى بعيداً عن الغرابة المطلقة أو العامية الصرفة، مع مراعاة نقل نبرات الصوت بدقة. مثال ذلك: تحول الزمن الواقعي إلى زمن نفسي عندما يشعر الشخص ببطء الدقائق بسبب شدة الألم أو الانتظار، وكأن اللحظة الواحدة تصبح دهراً.
الفكرة الأساسية
تعتمد مقاييس نقد القصة على تفكيك العناصر البنائية التي تشكل الهيكل الفني للعمل القصصي، وهي الحبكة، والزمان، والمكان، والحوار. يدرس النقد هذه العناصر ليعرف مدى ترابطها وقدرتها على نقل الواقع النفسي والمادي للشخصيات بدقة.
الشرح
تنقسم عناصر الحبكة إلى خمسة عناصر رئيسية: البداية وهي مرحلة المواجهة الأولى مع القارئ، والصراع وهو حركة الأحداث والخلاف الداخلي أو المادي بين الشخصيات، والعقدة وهي المشكلة الرئيسية التي تتأزم فيها الأمور، والحل وهو الحدث الذي يزيل العقدة إما جزئياً أو كلياً، والنهاية وهي آخر شيء في القصة وقد تتضمن الحل أو تأتي بعده. وللحبكة أنماط كالحل البسيط بالاستيقاظ من النوم أو الموت أو الصدفة. وأما الزمان فينقسم إلى نوعين: الزمن الواقعي الذي يسير وفق قوانين الزمن الطبيعي الصارمة من نقطة البداية إلى النهاية، والزمن النفسي المغايير تماماً للواقعي حيث تحسب الدقائق أو الساعات بحسب لهفة الانتظار أو الألم أو تداعي الذكريات. وأما المكان فهو الميدان الذي تجري عليه الأحداث، ولا يقتصر على كونها مسرحاً بل يتجاوزها ليكون عنصراً كاشفاً لمشاعر الشخصيات وحالتها النفسية والاجتماعية. وأما الحوار فهو تبادل الحديث الذي ينشئ الأحداث وينميها ويعرض مشاعر الشخصيات، ويجب أن تتوافر له لغة قريبة من واقع الحدث ووسطى في الفصحى دون جنوح للعامية المبتذلة، مع نقل نبرات الصوت المختلفة عبر وصف أداة الإلقاء.
مثال محلول خطوة بخطوة
- الخطوة الأولى: حدد نوع الزمن في عبارة (بعد عشرين عاما عاد أحمد إلى مسقط رأسه إلى قريته التي قطعها كل تلك السنوات). هذا زمن واقعي لأنه ينقل أحداثاً عبر سنوات محددة وفق تسلسل زمني واقتران بتغيير عمر الشخصية.
- الخطوة الثانية: حدد نوع الزمن في عبارة (حيث تصبح اللحظة الواحدة بسبب الألم أو لهفة الانتظار شيئاً آخر لا يمكن أن يحسب بالدقائق). هذا زمن نفسي لأنه يخالف الزمن الواقعي ويعتمد على مشاعر الشخصية.
- الخطوة الثالثة: اربط بين المكان وحالة الشخصية، فالمكان الضيق المتسخ يوح بالضيق والحزن، والمكان الفخم يمثل حالة الغنى.
أخطاء شائعة
- الاعتقاد بأن الحل بالصدفة المطلقة طوال القصة مقبول في كل الأحوال، بينما الصحيح أن القليل من الصدفة المبررة مقبول، وأما الكثير غير المبرر فهو مرفوض فنياً.
- استخدام العامية المطلقة في الحوار بحجة الواقعية، بينما الصحيح أن اللغة العربية الوسطى المتوسطة قادرة على التعبير الواقعي دون الحاجة إلى اللهجة المحلية.
- إغفال نقل نبرات الصوت في الحوار والاكتفاء بالكلمات دون توضيح طريقة الإلقاء والإنكار أو الغضب.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق بين الزمن الواقعي والزمن النفسي في القصة؟ الإجابة: الزمن الواقعي يجري فيه القاص قصته في إطار زمني مححدد تحكمه قوانين الزمن الصارمة وتسلسل الحوادث من البداية إلى النهاية مع نمو الشخصيات عبر المراحل العمرية. وأما الزمن النفسي فيرى فيه جانباً مغايراً تماماً للزمن الواقعي، حيث تصبح اللحظة الواحدة بسبب الألم أو لهفة الانتظار شيئاً آخر لا يمكن حسابه بالدقائق أو الساعات بل بتداعي الذكريات وتعدد السنوات في وقت وجيز. السؤال الثاني: ما موقف كتاب القصة العرب من استخدام العامية في بعض الحوار القصصي وما رأيك في ذلك؟ الإجابة: يرى عدد من الكتاب أن استخدام العامية يسهم في كون الحوار واقعياً ومائماً لطبيعة الشخصية القصصية، بينما تؤكد التجربة العملية أن اللغة العربية الفصحى في مستواها المتوسط، البعيد عن الغرابة والغموض، قادرة على التعبير الواقعي المناسب دون حاجة إلى اللهجة المحلية.