ثانيا: مقاييس نقد القصة (١)
انظر إلى السطر: الحكاية لا تقر فكرة مباشرة، بل تتسرب الفكرة إلى العقول عبر تيار الأحداث والشخصيات. القاص البارع لا يلقي بالخطبة، بل يجعل الفكرة تستحوذ على القاص وتوجه الأحداث والشخصيات توجيها خاصا يؤدي في النهاية إلى توضيح فكرته. وحين يحصر القاص اهتمامه في الفكرة وحدها، تقل عنايته بالحوادث والشخصيات في حدود ضيقة تتطلبها فكرته، وعندئذ لا نحس بأن الأحداث والشخصيات طبيعية في سياق القصة، بل نشعر بتوجيهها قسرا وفق إرادة الكاتب ومنطقه. وانتقل إلى ثانيا: الحوادث، وهي مجموعة الأفعال والوقائع مرتبة ترتيبا سببيا، تدور حول موضوع معين، وتصور الشخصية، وتكشف عن أبعادها، وهي عنصر مهم إذ لا بد لأي قصة أن تقوم على حدث أو جملة أحداث. وتنقسم الحوادث من حيث الأهمية إلى قسمين: حوادث رئيسة، وهي الحوادث الكبرى في القصة، التي يكون كل منها منعطفا رئيسيا في سير القصة، وقد يكون حدثا واحدا رئيسيا. وحوادث ثانوية، وهي تلك الحوادث الصغيرة التي تمثل الحركات المتعددة لشخصيات القصة، ومما يعد من جزئيات الحياة وتفاصيلها، التي لابد منها لتغذية الحدث الكبير.
تقوم فكرة نقد القصة على دراسة عناصر بنائها الفنية بدقة وفعالية، وتعتمد على مقاييس رئيسية تشمل الحوادث، والمصادر، وطرق عرضها، والشخصيات وأنواعها وطرق تصويرها، إضافة إلى الحبكة وأقسامها وأنواعها. فالحوادث تنقسم إلى رئيسية وث الثانوية، وتستقى من الواقع أو التاريخ أو الخيال، وتعرض بأسلوب ضمير المتكلم أو الغائب. والشخصيات تنقسم بدورها إلى رئيسية وثانوية، وتأتي نامية أو ثابتة، وتصور إما عن طريق الإخبار أو الكشف. أما الحبكة فهي مجموعة حوادث مرتبة زمنيا أو سببيا، وتأتي متماسكة أو مفككة، وتتخذ أشكالا بنائية كالمتوازنة والنازلة والصاعدة والناجحة في النهاية والمقلوبة. على سبيل المثال، عندما يصور الكاتب شخصية حارسة مدرسة، فإن جعلها تظهر في مشاهد محدودة مثل دخول الطلاب يجعلها شخصية ثابتة ثانوية، أما لو قامت القصة أساسا على تصوير حياتها تصبح شخصية رئيسية نامية.
الفكرة الأساسية
تقوم فكرة الدرس على بناء القصة وفهم عمقها من خلال مقاييس نقدية محددة تشمل الحوادث، ومصادرها، وطرق عرضها، والشخصيات، وطرق تصويرها، والحبكة القصصية بأنواعها وأشكال بنائها.
الشرح
تنقسم مقاييس نقد القصة إلى عناصر أساسية: ١. الحوادث: هي الأفعال والوقائع المرتبة ترتيبا سببيا، وتنقسم إلى حوادث رئيسية تمثل منعطفات في سير القصة، وحوادث ثانوية تمثل الحركات الصغيرة وجزئيات الحياة. ومصادرها ثلاثة: الواقع بشرط أن يكون ممكنا لا بالضرورة قد حدث فعلا، والتاريخ بالالتزام بالصدق والأمانة التاريخية دون مغالطة، والخيال كقصص الخيال العلمي وأساطير الشعوب. وتعرض الحوادث بأسلوب ضمير المتكلم أو ضمير الغائب. ٢. الشخصيات: تنقسم إلى رئيسية تستحوذ على الاهتمام، وثانوية لا غنى عنها لاكتمال البناء. وتنقسم بحسب النمو إلى نامية متطورة تمر بتغيرات متعددة، وثابتة نمطية تؤدي وظيفة ثانوية محددة. وتصور الشخصيات إما بطريقة الإخبار المباشر عن هيئتها ونفسيتها، أو طريقة الكشف غير المباشر عن طريق الأفعال والحوار. ٣. الحبكة القصصية: هي مجموعة الحوادث المرتبة ترتيبا زمنيا مع التأكيد على الأسباب والنتائج. وتنقسم من حيث التركيب إلى حبكة متماسكة تتصل أحداثها اتصالا وثيقا مثل القصص البوليسية، وحبكة مفككة ترتبط برابط معين كالمكان أو الشخصية الرئيسية. وتتخذ أشكال البناء كالحبكة المتوازنة، والنازلة، والصاعدة، والناجحة في النهاية، والمقلوبة.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ مثلا شخصية الشرطي في القصة: الخطوة الأولى: انظر إلى مساحة ظهور الشخصية، فإذا ظهر في مشاهد محدودة جدا مثل الإمساك بالمجرم ثم انتهى دوره، فهو شخصية ثابتة. الخطوة الثانية: حدد دور الشخصية في البناء، فهنا يعد الشخصية شخصية ثانوية. الخطوة الثالثة: قارن ذلك بما لو قامت القصة أساسا على تصوير حياة الشرطي الخاصة، فعندها تتحول الشخصية إلى شخصية رئيسية نامية تمر بتغيرات متعددة في حياتها وعملها.
أخطاء شائعة
- الاعتقاد بأن واقعية الأحداث في القصة تعني وقوعها حقيقة في الواقع، والصواب أن المهم هو إمكانية حدوثها فقط.
- استخدام أسلوب الإخبار بكثرة يدويا دون مبرر فني، مما يؤدي إلى إبطاء سير الأحداث وترهل القصة بأحداث جانبية لا غناء فيها.
- الإخلال بالتاريخ عند اتخاذه مصدرا للحوادث، كبناء قصة على أحداث تاريخية وقعت في مكان آخر أو زمان خاطئ مما يفقد القصة مصداقيتها.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما المراد بالحوادث الثانوية وما فائدتها في القصة؟ الإجابة: هي تلك الحوادث الصغيرة التي تمثل الحركات الصغيرة وجزئيات الحياة والتفاصيل التي لابد منها. وفائدتها تكمن في تجلية جوانب مهمة في حياة الشخصيات الرئيسية، والكشف عن سماتها وخصائصها، والإسهام في تطوير الأحداث ودفعها إلى الأمام، فلا يمكن أن تبدأ القصة وتنتهي وهي لا تقدم إلا الشخصيات الرئيسية فقط حتى لا تكون مملة تفتقد أحداثها الحيوية والتشويق. السؤال الثاني: ما الفرق بين طريقة الإخبار وطريقة الكشف في تصوير الشخصيات؟ الإجابة: طريقة الإخبار تعتمد على الأسلوب المباشر الذي يعتمده القاص ليصور الشخصية بلسانه، فيذكر غناها أو فقرها وهيئتها ونفسيتها مباشرة. أما طريقة الكشف فهي الأسلوب غير المباشر الذي يجعل الأحداث هي التي تصور الشخصية من خلال تصوير الأفعال التي تصدر عنها أو عن طريق الحوار بين الشخصيات المختلفة.