رابعا: الكناية
انظر إلى أعلى الصفحة حيث تبدأ الكناية بطريقة العرب في وصف الكرم. إذا أراد العربي أن يصف رجلاً بالبكر قال: فلان مهزول الفصيل، والفصيل هو ولد الناقة، فإذا كان مهزولاً فهذا يعني أن أمه تُحلب للضيوف ويُترك ولدها بلا لبن لكثرة الضيفان. وانظر إلى قول الخنساء في البيت الشعري المطبوع: طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد إذا ما شتا. النجاد هو حمايل السيف، فإذا كان طويلاً فهذا كناية عن طول قامته. وعمود البيت إذا كان رفيعاً فإنه يتسع للزوار والقاصدين. وكثرة الرماد دليل على كثرة إيقاد النار للطبخ وإكرام الضيف. لاحظ أن هذه العبارات يُراد بها معناها اللازم لا الحقيقي، مع جواز إرادة المعنى الأصلي، وهذا هو الفرق بين الكناية والاستعارة.
تقوم الكناية على استخدام لفظ في غير معناه الاصلي الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى الاصلي، لتدل على معنى آخر مرتبط به، كأن تقول عن الشخص الكريم إنه كثير الرماد للدلالة على كثرة إيقاد النار لطبخ الطعام للضيافة. وهي أسلوب بليغ يصور المعاني في صورة محسوسة بلفظ موجز وعبارة مقعنة، وقد استخدمها العرب والقرآن الكريم كقوله تعالى في سورة المائدة الآية 6 حين كنى عن الحدث بالغائط وهو الوادي أو المكان المنخفض، والفرق بينها وبين الاستعارة أن المتحدث في الكناية لا يريد المعنى الاصلي حصرا بل يمكن جواز إرادة المعنى الحقيقي، بينما في الاستعارة لا يمكن إرادة المعنى الحقيقي للفظ كالتكلم عن البدر مرادا به شخص جميل.
الفكرة الأساسية
تعتمد الكناية على التعبير عن المعنى الخفي بطريقة غير مباشرة عبر إطلاق لفظ مع الاحتفاظ بجواز إرادة معناه الحقيقي، لكن المقصود هو لازم ذلك المعنى ومرتبط به. إنها وسيلة لتصوير المعاني في صورة محسوسة وموجزة وبليغة.
الشرح
خذ مثلا تعبير العرب القديم: فلان كثير الرماد. لو نظرت للفظ فهو يعني أن رماد النار عنده كثير، لكنهم أرادوا معنى آخر مرتبطة به وهو كثرة إيقاد النار للطبخ وإكرام الضيوف، وهذا دليل قاطع على الكرم. يمكنك دائما استنتاج الكناية من خلال لفظ يدل على معنى أصلي، لكن السياق ينقلك إلى معنى ثان لازم للأول مع بقاء احتمال إرادة المعنى الأصلي قائما، وهذا بخلاف الاستعارة التي يمتنع فيها إرادة المعنى الحقيقي تماما.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 10 واصفا حال المسلمين عند شدة الخوف: وبلغت القلوب الحناجر. الخطوة الأولى: انظر إلى اللفظ المستخدم وهو وصول القلوب إلى الحناجر. الخطوة الثانية: اعلم أن هذا غير مقصود بحقيقته الجسدية المطلقة لأن القلب يبقى مكانه، فالمراد هو صورة شدة الضيق والكرب والخوف. الخطوة الثالثة: لاحظ الانتقال من هذه الصورة المحسوسة وهي بلوغ القلوب الحناجر إلى لازمها وهو شدة الخوف والكرب، وبذلك تكون الآية قد عبرت عن الخوف بكناية بليغة.
أخطاء شائعة
من الأخطاء المتكررة الخلط بين الاستعارة والكناية؛ فالاستعارة يمتنع فيها إرادة المعنى الأصلي تماما مثل قولك تكلم البدر لمن تعني إنسانا حسنا إذ يستحيل أن يتكلم البدر الحقيقي، بينما في الكناية يجوز إرادة المعنى الأصلي للعبارة مع انتقال الذهن إلى المعنى المراد. ومن الخططاء الشائع أيضا ظن أن الكناية تختص بالشعر فقط، بينما هي مستخدمة في لغة العرب والقرآن الكريم والسنة النبوية وفي لغة الناس اليومية.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: كيف تكنى عن البخل بأسلوب بليغ مستفاد من بيئة العرب؟ الإجابة: يقال فلان مهزول الفصيل لأن مهزول الناقة يكون بسبب كرم صاحبه وإعطائه لبن أمه للأضياف، فإذا أريد الكناية عن البخل قيل فلان سمين الفصيل أو ما يماثل ذلك. السؤال الثاني: ما المراد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة الحجر الآية 63 المذكورة في التدريبات إذا عضوا عليها بالنواجد؟ الإجابة: هي كناية عن التمسك الشديد بالسنة.