ثالثا: الاستعارة
انظر إلى الفرق بين التشبيه والاستعارة: حين تقول سمعت من معاذ كلاماً كالدرر، فأنت ذكرت الطرفين وهما الكلام والدرر، وهذا تشبيه. أما حين تقول سمعت من معاذ درراً، فقد حذفت المشبه وهو الكلام وأبقيت المشبه به وهو الدرر، فهذه استعارة تصريحية. وحين تعكس وتذكر المشبه وتحذف المشبه به مع الإتيان بشيء من لوازمه، مثل غلاء الثمن، فهذه استعارة مكنية. ولا بد للاستعارة من قرينة تدل على المعنى المراد وتمنع إرادة المعنى الأصلي؛ فقد تكون هذه القرينة لفظية مثل الكلمات المذكورة، أو حالية يفهمها السامع من السياق. وتأمل المثال القرآني في سورة البقرة الآية ٢٥٧ حيث شبه الكفر بالظلمات فحذف المشبه وصرح بالمشبه به، وشبه الإيمان بالنور فحذف المشبه وصرح بالمشبه به، والقرينة هنا غير ملفوظة بل تفهم من السياق والمقام.
تقوم الاستعارة على تشبيه حُذِفَ أحد طرفيه؛ والمشبه والمشبه به هما طرفا التشبيه الأساسيان. تنقسم الاستعارة إلى نوعين رئيسيين: استعارة تصريحية حين نصرح بالمشبه به ونحذف المشبه، واستعارة مكنية حين نذكر المشبه ونحذف المشبه به ونترك شيئاً من لوازمه للدلالة عليه. من لوازم الاستعارة وجود قرينة تدل على المعنى المراد وتمنع المعنى الأصلي، وتكون هذه القرينة لفظية مذكورة في العبارة أو حالية يفهمها السامع من السياق والمقام. ومثال ذلك قولك: سمعت من معاذ دررا، فقد حذفت المشبه الكلام وذكرت المشبه به الدرر على سبيل الاستعارة التصريحية.
الفكرة الأساسية
الاستعارة هي في الأصل تشبيه بليغ حُذِفَ أحد طرفيه. عندما تقول: معاذ كالدر في الجمال، فهذا تشبيه كامل لوجود المشبه معاذ والمشبه به الدر. أما لو ألغيت أحد الطرفين، مثل أن تقول: سمعت من معاذ دررا، فإنك خرجت من باب التشبيه ودخلت في باب الاستعارة.
الشرح
تنقسم الاستعارة إلى نوعين بناء على الطرف المحذوف:
- استعارة تصريحية: هي التي نذكر فيها المشبه به صراحة ونحذف المشبه الأصلي. مثل قولنا: سمعت من معاذ دررا، فقد حذفنا المشبه الكلام وصرحنا بالمشبه به الدرر.
- استعارة مكنية: وهي التي نذكر فيها المشبه ونحذف المشبه به، ونترك شيئاً من لوازمه للدلالة عليه ليكون موطن التجسيد والتصوير. مثل قولنا: وضحكت الأمواج، فقد شبهنا الأمواج بالإنسان وحذفنا الإنسان وأتينا بشيء من لوازمه وهو الضحك.
ولكي تستقيم الاستعارة لابد من أمرين أساسيين:
- العلاقة بين المعنى المستعار والمعنى المستعار منه هي المشابهة ووجود شبه بين المعنيين.
- وجود قرينة تدل على المعنى المراد وتصرف اللفظ عن معناه الأصلي. والقرينة نوعان: قرينة لفظية وهي لفظ مذكور في العبارة، وقرينة حالية يفهمها القارئ من السياق والمقام.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ مثال قول الشاعر في وصف البحر: وبحر كم ساألته فتضاحكت أمواجه من صوتي المتقطع.
- الخطوة الأولى: ابحث عن الاستعارة في كلمة البحر. الشاعر أراد تشبيه البحر بالإنسان، فذكر المشبه البحر وحذف المشبه به الإنسان، وأتى بشيء من لوازمه وهو المساءلة، فهذه استعارة مكنية.
- الخطوة الثانية: ابحث عن الاستعارة في جملة فتضاحكت أمواجه. الشاعر شبه الأمواج بالإنسان، فحذف المشبه به الإنسان، وأتى بشيء من لوازمه وهو الضحك، فهذه استعارة مكنية أخرى.
أخطاء شائعة
- الخلط بين التشبيه والاستعارة باعتبار أن التشبيه يذكر فيه الطرفان معا المشبه والمشبه به، بينما الاستعارة يحذف فيها أحد الطرفين تماما.
- الاعتقاد بأن حذف المشبه به هو استعارة تصريحية والصواب أنه استعارة مكنية، بينما حذف المشبه هو الاستعارة التصريحية.
- نسيان البحث عن القرينة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي وتدل على المعنى المجازي المراد.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
- السؤال الأول: بين موضع الاستعارة ونوعها في قوله تعالى: والصبح إذا تنفس (سورة التكوير، الآية 18). الإجابة: الاستعارة في كلمة تنفس، وهي استعارة مكنية؛ حيث شبه الصبح بالإنسان الحي، فذكر المشبه الصبح وحذف المشبه به الإنسان، وأتى بشيء من لوازمه وهو التنفس.
- السؤال الثاني: حول التشبيه الآتي إلى استعارة: صالح كالبحر في جوده. الإجابة: نحذف أحد الطرفين، فنقول: أقبل البحر بجوده، حيث شبهنا صالحا بالبحر وحذفنا المشبه صالحا وصرحنا بالمشبه به البحر، لتصبح استعارة تصريحية.