الدرس الأول: التعريف بعلم التفسير ونشأته
انظر إلى التمهيد: كلمة التفسير تأتي لغوياً من الفعل فسر، ومعناها يكشف ويوضح ويظهر ما خفي. أما في الاصطلاح، فهي تعني بيان معاني القرآن الكريم كما عرفها العلماء. انتقل معي الآن إلى نشأة علم التفسير، وهو ينقسم إلى مرحلتين رئيسيتين، نبدأ بالمرحلة الأولى وهي مرحلة الفهم والتلقي. في هذه المرحلة كان التعلم عبر التلقي المباشر من المفسر، وقد شملت فترتين. الفترة الأولى هي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان ينزل الوحي وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين للصحابة ما يشكل عليهم من معاني الآيات كما جاء في سورة النحل الآية 44. ومن أمثلة ذلك ما حدث مع ابن مسعود رضي الله عنه عندما نزلت آية من سورة الأنعام الآية 82، فشق ذلك على المسلمين وظنوا أن الظلم هنا هو ظلم النفس، فوضح لهم النبي صلى الله عليه وسلم مستشهداً بسورة لقمان الآية 13 أن المقصود بالظلم هنا هو الشرك بالله. في نهاية الصفحة يوجد سؤال أفكر، والمطلوب منك أن تتفكر في سبب عدم استشكال الصحابة لمعاني كلمات القرآن أو كثرة سؤالهم عنها، ففكر في مدى قربهم من لغة الوحي وفهمهم لبيئة النزول لتدون إجابتك.
هذا الدرس يبسط لك مفهوم علم التفسير ونشأته عبر التاريخ. التفسير لغة يعني الكشف والإظهار، واصطلاحا هو بيان معاني القرآن الكريم. مر التفسير بمرحلتين رئيسيتين: الأولى هي مرحلة الفهم والتلقي في عهد النبي والصحابية، والثانية هي مرحلة الكتابة والتدوين. ثم ظهرت مدارس التفسير، مثل مدرسة التفسير بالمأثور التي تعتمد على المرويات عن النبي والصحابية والتابعين، ومدرسة التفسير بالرأي التي تعتمد على الاجتهاد العقلي، وتنقسم بدورها إلى رأي محمود مبني على علم وضوابط، ورأي مذموم صادر عن جهل أو هوى. على سبيل المثال، تفسير آية بآية أخرى أو بسنة النبي يعد من أعلى طرق التفسير بالمأثور، بينما تفسير القرآن بلا علم أو قواعد يعتبر تفسيرا بالرأي المذموم المرفود.
الفكرة الأساسية
هذا الدرس يربطك بجذور فهم القرآن الكريم، ليبين لك كيف انتقل علم التفسير من الصدور والشرح الشفوي المباشر في عهد النبي إلى مرحلة التدوين المنهجي، ثم انقسامه إلى مدارس علمية واضحة المعالم كالتفسير بالمأثور والتفسير بالرأي بشقيه المحمود والمذموم.
الشرح
خذ القاموس اللغوي أولا: كلمة تفسير تعني الكشف والبيان والإظهار. وعند العلماء، اصطلاحا هي بيان معاني القرآن الكريم. انظر إلى مراحل نشأة هذا العلم، فهي مقسمة إلى مرحلتين كبريين. المرحلة الأولى هي مرحلة الفهم والتلقي، وبدأت بالفترة الأولى في عهد النبي حيث كان يبين للصحابية ما يشكل عليهم من معاني القرآن استنادا إلى قوله تعالى في سورة النحل الآية رقم ٤٤. وكان النبي يوضح المعاني أحيانا عندما يشتبه الأمر، مثلما حدث مع ابن مسعود في سورة الأنعام الآية رقم ٨٢ عندما التبس عليهم الظلم فبين لهم النبي أن المقصود هو الشرك استنادا إلى وصية لقمان لابنه في سورة لقمان الآية رقم ١٣. أما الفترة الثانية فهي عهد الصحابية، حيث كان منهجهم ألا يتجاوزوا عشر آيات حتى يتعلموا العلم والعمل معا، وبرز من الصحابية في التفسير الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وتميز تفسيرهم بعدالتهم وسلامة مقصدهم وشيخوختهم لنزول القرآن وكونهم أهل اللسان العربي وحسن فهمهم للنصوص الشرعية.
المرحلة الثانية هي مرحلة الكتابة والتدوين، وشهدت فترتين. الفترة الأولى هي بداية التفسير وكتابته على طريقين؛ الأولى جمع التفسير وكتابته بجانب الحديث من خلال رحلة العلماء للبلدان طلبا للعلم مثل شعبة بن الحجاج ووكيع بن الجراح، والثانية تدوين التفسير كله أو بعضه في مؤفات مستقلة بترتيب المصحف مثل تفسير مجاهد. الفترة الثانية هي استقلال التفسير كعلم قائم بذاته حيث وضع التفسير لكل آية من آيات القرآن ورتب حسب ترتيب المصحف على أيدي نخبة من العلماء مثل ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم.
بعد ذلك ظهرت مدارس التفسير. المدرسة الأولى هي التفسير بالمأثور، وهو المروي عن رسول الله أو الصحابية أو التابعين، وهو أعلى طرق التفسير منزلة. ويشترط لصحة الاحتساء به أمور أربعة: الدقة في استنباط المعنى عند تفسير القرآن بالقرآن، وصحة الإسناد عند تفسير القرآن بالسنة، وعدم وجود مخالف من الصحابية عند تفسير القرآن بأقوال الصحابية، وإجماع التابعين على القول عند تفسير القرآن بأقوال التابعين. ومن أبرز كتبه: جامع البيان في تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي. المدرسة الثانية هي التفسير بالرأي، ويعتمد فيها المفسر على الاجتهاد والاستنباط العقلي، وينقسم إلى قسمين: التفسير بالرأي المحمود وهو الاجتهاد المبني على علم مستمد من القرآن والسنة ولغة العرب مع توافر ضوابط المفسر، ومثله محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. والقسم الثاني هو التفسير بالرأي المذموم وهو الاجتهاد الصادر عن جهل أو هوى بلا استناد لقواعد الشريعة وأصول اللغة العربية.
مثال محلول خطوة بخطوة
إذا واجهتك آية قرآنية تريد تفسيرها، فاتبع الخطوات التالية استنادا إلى قواعد التفسير بالمأثور: الخطوة الأولى: ابحث أولا عن تفسير الآية بآية أخرى من القرآن الكريم لأنها أعلى درجات الدقة في استنباط المعنى. الخطوة الثانية: إن لم تجد في القرآن، فانتقل إلى سنة النبي لتجد التفسير النبوي الصحيح بشرط صحة الإسناد. الخطوة الثالثة: إن لم تجد في السنة، فانظر في أقوال الصحابية رضي الله عنهم، وتأكد من عدم وجود مخالف بينهم. الخطوة الرابعة: إن لم تجد في أقوال الصحابية، فانظر في إجماع التابعين، واعتمد قولهم إذا أجمعوا.
أخطاء شائعة
الخطأ الأول: الاعتقاد بأن التفسير بالرأي يعني تفسير القرآن بالهوى والجهل من دون تعلم قواعد اللغة العربية أو أحكام الشريعة، وهذا يقع تحت التفسير بالرأي المذموم المرفوض. الخطأ الثاني: الخلط بين مرحلة الفهم والتلقي ومرحلة الكتابة والتدوين، فالأولى كانت شفوية تعتمد على السماع المباشر من النبي والصحابية، بينما الثانية شهدت تدوين العلم في كتب ومؤلفات مستقلة مرتبة بحسب ترتيب المصحف.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق الرئيسي بين مرحلة الكتابة والتدوين في الفترة الأولى والفترة الثانية؟ الإجابة: في الفترة الأولى كان جمع التفسير وكتابته إما بجانب الحديث النبوي من خلال رحلة العلماء، أو تدوين أجزاء أو تفسير مرتب حسب المصحف لبعض العلماء. أما في الفترة الثانية، فقد استقل التفسير كعلم قائم بذاته، حيث وضع التفسير لكل آية من آيات القرآن الكريم ورتب كاملا حسب ترتيب المصحف على أيدي نخبة من العلماء مثل ابن جرير الطبري.
السؤال الثاني: ما هي شروط قبول التفسير بالمأثور عند الاحتساء به؟ الإجابة: يشترط مراعاة أربعة أمور: الدقة في استنباط المعنى عند تفسير القرآن بالقرآن، وصحة الإسناد عند تفسير القرآن بالسنة، وعدم وجود مخالف من الصحابية عند تفسير القرآن بأقوال الصحابية، وإجماع التابعين على القول عند تفسير القرآن بأقوال التابعين.