الدرس الثاني عشر: اختلاف القراءات.
انظر إلى التمهيد في أعلى الصفحة، فهو يطرح تساؤلات مهمة عن إمكانية تعارض القراءات وكيفية توجيهها عند الفهم. ثم تأمل حديث عبد الله بن مسعود الذي يحث على عدم الاختلاف والتنازع في القرآن ويؤكد أن شريعة الإسلام واحدة، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء وينهى الآخر عنه لكان جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صواب كل من المختلفين في قصة الصحابيين اللذين اختلفا في قراءة آية فقال لكل منهم أحسنت هكذا أنزلت وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله. وخلاصة الأمر أن اختلاف القراءات ليس كاختلاف الفقهاء المذموم، بل اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله تعالى وهو كلامه لا شك فيه، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر.
يقوم هذا الدرس على فهم طبيعة اختلاف القراءات القرآنية وأنواعها وموقفنا الشرعي منها. ينقسم اختلاف القراءات إلى ثلاثة أنواع رئيسية: اختلاف في اللفظ دون المعنى مثل قراءة الكلمات بالسين أو الصاد، واختلاف في اللفظ والمعنى بحيث يجتمع المعنيان مثل قراءة الكلمات بالزاي أو الراء، واختلاف في اللفظ والمعنى مع إمكان اجتماعها دون تناقض مثل اختلاف حركات الإعراب أو الضم والفتح. وموقفنا منها هو القطع بأنها كلها حق من عند الله. كما يحتوي الدرس على فوائد عظيمة لاختلاف القراءات مثل التسهيل على الأمة وتحقيق غاية البلاغة، وإعظام أجور الأمة في البحث عن المعاني والأحكام.
الفكرة الأساسية
ندرس اليوم أنواع اختلاف القراءات القرآنية، والموقف الشرعي الصحيح منها، والفرق بينها وبين اختلاف الفقهاء، إضافة إلى الفوائد العظيمة المترتبة على هذا التنوع القرآني المبارك.
الشرح
انتبه إلى أن اختلاف القراءات لا يخرج عن ثلاثة أنواع محددة لا رابع لها. النوع الأول هو اختلاف في اللفظ والمعنى واحد، ومثال ذلك نطق الكلمة بالسين أو بالصاد، فالحرف مختلف لكن الدلالة والمدلول واحدة لا تتغير. النوع الثاني هو اختلاف في اللفظ والمعنى، لكن المعنيين يجتمعان في شيء واحد ولا يتضادان، بل يكمل أحدهما الآخر، ومثال ذلك قراءة الكلمة بزاي أو براء ليجتمع معنى جمع العظام المشتتة ومعنى رفع بعضها إلى بعض حتى تتأمل وتلتئم. النوع الثالث هو اختلاف في اللفظ والمعنى مع امتناع اجتماعهما في شيء واحد، لكنهما لا يتفقان من وجه آخر يقتضي التناقض، بل يتفقان في المعنى الصحيح الكلي.
أما عن الموقف الشرعي من هذا الاختلاف، فهو التسليم المطلق بأن كل هذه القراءات حق وصواب نزل بها الوحي من عند الله عز وجل، وكلها كلامه الذي لا شك فيه. واعلم أن اختلاف القراءات يختلف تماماً عن اختلاف الفقهاء؛ فاختلاف الفقهاء هو اختلاف اجتهادي يحتمل الصخطأ والصواب، وكل مجتهد مصيب أو له أجر، بينما قراءة القراء كلها حق مقطوع به في نفس الأمر. وللاختلاف فوائد عظيمة تشمل: التسهيل والتخفيف على الأمة، بلوغ غاية البلاغة وكمال الإعجاز والإيجاز، تقديم عظيم البرهان وواضح الدلالة لتصديق الآلاف بعضها بعضا، وإعظام أجور الأمة التي تبذل جهدها في تتبع معاني الكلمات واستنباط الأحكام.
مثال محلول خطوة بخطوة
خذ مثالاً من النوع الثالث لاختلاف القراءات في قول موسى لفرعون في سورة النازعات: عندما وردت كلمة بضم التتاء في قراءة الكسري، ووردت بفتح التاء في قراءة أخرى. خطوة التوجيه لقراءة الضم تأتي من إسناد العلم إلى موسى في حديثه مع فرعون حيث قال إنه تعلم ذلك من ربي، فكأن موسى يخبر عن نفسه بالعلم ليؤكد أنه ليس بمجنون ولا مسحور. وأما توجيه قراءة الفتح فيأتي من إسناد العلم إلى فرعون نفسه، مخاطباً له بها على وجه التقريع لشدة معاندته للحق بعد علمه به. هكذا تصبح الأحوال كلها منتظمة ومتناسقة دون أي تناقض.
أخطاء شائعة
يعتقد البعض خطأً أن اختلاف القراءات القرآنية هو اختلاف تضاد وتناقض كالذي يقع بين آراء البشر، والصحيح أنه اختلاف تنوع وتكامل يشهد فيه بعضها لبعض. كما يظن البعض أن بعض القراءات قد تكون غير صحيحة، بينما الموقف الحق هو القطع بأن كل القراءات الصحيحة المتواترة هي من عند الله حق وصواب.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق بين اختلاف القراء واختلاف الفقهاء؟ الإجابة: اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله وهو كلامه الذي لا شك فيه، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر. أما اختلاف الفقهاء فهو اختلاف اجتهادي في نفس الأمر يحتمل الصواب بالنسبة إلى الآخر ويحتمل الخطأ.
السؤال الثاني: اذكر فائدتين من فوائد اختلاف القراءات. الإجابة: الفائدة الأولى هي التسهيل والتخفيف على الأمة. والفائدة الثانية هي إعظام أجور هذه الأمة من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبالغوا قصدهم في تتبع معاني الآيات واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ.