الدرس الثامن والأربعون: وسائل إثبات الحق 3/2
الدرس الثامن والأربعون يواصل استعراض وسائل إثبات الحق، وهنا نتناول الشهادة والقرائن والعرف. الشهادة هي إخبار شخص بما يعلمه أمام القضاء لإثبات حق أو نفي واقعة قانونية. أداء الشهادة في الإسلام واجب إذا علم بها الشخص وحرم كتمانها، كما ورد في الآية في سورة البقرة التي تحذر من كتمان الشهادة. تخيل أن يحضر فيصل ومحمد أمام القاضي ليشهدا بأنهما كانا حاضرين عندما عاين يوسف المشتري الأرض الزراعية قبل شرائها، وارتضى تملكها بحالتها. وفي الإثراء القراني، يتضح أن معنى الشهيد هو من يحضر ويسمع ويبصر حدثاً أو واقعة، كما جاء في آيات سورة البقرة المتعلقة بالمشاهدة والشهود.
يبحث هذا الدرس في ثلاث وسائل جديدة لإثبات الحقوق أمام القضاء، وهي الشهادة والقرائن والعرف. الشهادة هي إخبار شخص بما يعلمه أمام القضاء لإثبات واقعة معينة، وهي واجبة شرعاً لمن علم بها وحرم كتمانها. أما القرائن فهي كل ما يستخلصه القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول، مثل عدّ دفع أُجرة الشهر السادس قرينة على دفع الأجور السابقة. وأخيراً العرف هو ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم لفترة من الزمن بصفة متواترة مع شعورهم بالزامية، ولا يخالف نصاً صريحاً، كثبوت نسبة معينة للسمسار عرفاً ما لم يوجد اتفاق بخلاف ذلك. وتخضع هذه الوسائل لشروط وضوابط نظامية دقيقة تضمن عدالتها وصحتها في إثبات الحقوق وفض المنازعات بين الأفراد.
الفكرة الأساسية
تتمحور فكرة الدرس حول استكمال الوسائل القانونية التي يرتكز عليها القضاء لإثبات الحقوق وفض النزاعات، والانتقال من الأدلة المباشرة والمكتوبة إلى وسائل عملية واقعية تعتمد على إدراك الشهود والاستنتاج المنطقي والسلوك البشري المعتاد، وتتمثل في الشهادة والقرائن والعرف.
الشرح
الوسيلة الأولى هي الشهادة، وتعرف بأنها إدلاء شخص بمعلوماته أمام مجلس القضاء لإثبات أو نفي واقعة قانونية. أداة الشهادة واجبة على من علم بها، وحرم النظام والشرع كتمانها لما في ذلك من إضاعة للحقوق. ولكي تكون الشهادة مقبولة نظاماً، وضع نظام الإثبات شروطاً وموانع؛ فأجاز سماع الشهادة لمن بلغ الخامسة عشرة شريطة سلامة الإدراك، ومنع قبول شهادة من يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً، كشهادة الأصول للفروع والعكس، وشهادة أحد الزوجين للآخر، وشهادة الوصي للمشمول بالوصاية، إضافة إلى منع الموظفين من الشهادة بما وصل إليهم من معلومات سرية بحكم عملهم إلا بإذن الجهة المختصة.
الوسيلة الثانية هي القرائن، ومفردها قرينة، وهي ما يستخلصه القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. فائدة القرينة القانونية أنها تعفي من تقررت لمصلحته من عبء إثبات الحق بالوسائل الأخرى، لأن الأمر أصبح ثابتاً بدلالة الحال.
الوسيلة الثالثة هي العرف، وهو كل سلوك تعارف عليه الأشخاص لفترة من الزمن بصفة متواترة، مع شعورهم بإلزاميته، بشرط ألا يخالف نصاً شرعياً أو نظامياً صريحاً، ليصبح تُحتكم إليها عند غياب الاتفاق الخاص.
مثال محلول خطوة بخطوة
أراد مستأجر إثبات أنه دفع أُجرة الشهور الستة كاملة لمؤجره، ولديه وصل يفيد دفع أُجرة الشهر السادس فقط ولم يمتلك وصولات الشهور الخمسة الأولى. هنا يتدخل مفهوم القرائن كالتالي: الخطوة الأولى: تحديد الأمر المعلوم في الواقعة، وهو قيام المستأجر بدفع أُجرة الشهر السادس. الخطوة الثانية: تطبيق القاعدة القانونية للقرائن، حيث يعتبر دفع أُجرة الشهر السادس قرينة قضائية على سداد الأجور الخمسة السابقة نظراً لانتظام التعامل. الخطوة الثالثة: النتيجة القانونية، يعفى المستأجر من عبء إثبات سداد الشهور السابقة لأن القرينة قامت مقام الدليل، ما لم يقم المؤجر بإثبات العكس.
أخطاء شائعة
الاعتقاد بأن كتمان الشهادة أمر شخصي لا عقوبة فيه، والصواب أن كتمانها محرم ويعد إثماً قلبياً وإضراراً بحقوق الآخرين. الظن بأن العرف يخالف النصوص النظامية، والصواب أن الشرط الأساسي للعرف القانوني هو ألا يخالف نصاً صريحاً. الاعتقاد بأن شهادة الأقارب من الدرجة الأولى مقبولة دائماً، والصواب أن النظام منع شهادة الأصول للفروع والعكس وشهادة الزوجين لبعضهما لحماية الحياد.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما المقصود بالقرينة، وما أثرها على عبء الإثبات في الدعوى؟ الإجابة: القرينة هي كل ما يستخلصه القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول، وأثرها أنها تعفي من تقررت لمصلحته من عبء الإثبات بالوسائل الأخرى. السؤال الثاني: هل تقبل شهادة الموظف العام بمعلومات اطلع عليها بحكم عمله السري؟ الإجابة: لا تقبل شهادته بذلك، ما لم ترتفع عنها صفة السرية، أو تأذن الجهة المختصة في المحكمة بالشهادة بناء على طلب المحكمة أو أحد الخصوم.