الدرس الثاني عشر: فضل بر الوالدين
تأمل الحديث النبوي في أعلى الصفحة، تجد النبي ﷺ يكرر عبارة «رغم أنفه» ثلاث مرات تأكيداً وتخويفاً، وعندما سُئل عمّن يستحق هذا الخسران، بيّن أنه الشخص الذي يعيش معه والداه أو أحدهما حتى يبلغا سن الكبر، ثم لا يكون برهما سبباً في دخوله الجنة. انظر إلى جدول المفردات في الأسفل لتعرف المعنى بدقة: فمعنى «رغم أنفه» أي لصق أنفه بالتراب دلالة على الذل والخيبة والخسران لمن فرط في هذه الفرصة العظيمة.
حق الوالدين أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله، وخدمتهما هي أيسر الطرق إلى الجنة، وخاصة عند تقدمهما في السن وضعف قوتهما. التفريط في برهما خسارة وذل في الدنيا والآخرة، والعقوق يشمل كل إيذاء حسي أو معنوي لهما. يظهر ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي بيّن فيه خيبة وخسارة من أدرك والديه أو أحدهما عند الكبر ولم يجعلا سبباً لدخوله الجنة. ومثال ذلك: عندما يطلب منك والدك المساعدة في قضاء حاجة، فتسارع إلى خدمته بطيب نفس وابتسامة وتخفض له جناح الأدب، لا أن تتأفف أو تناديه باسمه المجرد أو تتقدم عليه في المشي والجلوس.
الفكرة الأساسية
بر الوالدين والإحسان إليهما فريضة عظيمة وسبب رئيس لدخول الجنة والنجاة من الخسران، ويتأكد هذا الحق بصورة أشد وألزم عند كبر سنهما وضعفهما.
الشرح
تأمل هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة». معنى «رغم أنفه» في لغة الحديث: لصق أنفه بالتراب، والمقصود به: ذل وخاب وخسر.
يقوم هذا التوجيه النبوي على معان وإرشادات واضحة:
- عظمة حق الوالدين: حق الوالدين وفضلهما عليك هو أعظم حق وفضل بعد حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
- سبب الوجود والرعاية: الوالدان هما سبب وجودك في الحياة بعد الله تعالى؛ قاما بتربيتك والعناية بك في صغرك حتى اشتد عودك.
- رعاية حالة الكبر: إذا كبر الوالدان، ضعفت قوتهما ورق عظمهما، وصارا في حاجة ماسة إلى العون والخدمة، فيكون رد الجميل بملازمتهما وخدمتهما والدعاء لهما بالرحمة.
- طريق الجنة: بر الوالدين من أيسر أسباب دخول الجنة، وقد جاء معاوية بن جاهمة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد، فقال له: «أحية أمك؟» قال: نعم، قال: «الزم رجلها فثم الجنة»، والوالد أوسط أبواب الجنة أي خيرها وأعلاها.
- التأدب معهما: علمنا الصحابة آداب التعامل اليومي؛ فقد رأى أبو هريرة رضي الله عنه رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ فقال: أبي، فقال له مرشداً: «لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله».
- التحذير من العقوق: عقوق الوالدين يشمل التفريط في حقهما، وترك برهما، وإيصال الأذى إليهما سواء كان حسياً بالقول والاعتداء، أو معنوياً بالتجاهل وإظهار الضيق. ومن فرط في ذلك لحقه الذل والصغار في الدنيا والآخرة.
مثال محلول خطوة بخطوة
الموقف: دخلت المنزل بعد يوم طويل، ووجدت والدك يطلب منك الذهاب لإحضار دواء له، وفي نفس الوقت نادتك والدتك لتساعدها في ترتيب أغراض البيت. كيف تتصرف تطبيقاً لما تعلمته؟
- الخطوة الأولى (ضبط المشاعر والأدب): تستقبل كلامهما بابتسامة وهدوء، وتتجنب إظهار التذمر أو التأفف، مراعاة لمشاعرهما وألا تتسبب في إغضابهما.
- الخطوة الثانية (التطبيق الفعلي): تبدأ بوالدك فتلبي طلبه سريعاً بإحضار الدواء وتناوله إياه بأدب، ثم تعود مباشرة لمساعدة والدتك في أعمال المنزل بما تستطيع.
- الخطوة الثالثة (مراعاة الآداب النبوية): لا تنادي والدك باسمه المجرد، ولا تتقدم في المشي أمامه ولا تجلس قبله، وتنافس إخوتك في نيل رضاهما.
أخطاء شائعة
- مناداة الأب أو الأم باسمهما مجرداً؛ والصواب تعظيمهما بألفاظ التوقير كـ «أبي» و«أمي».
- التقدم على الوالدين أثناء الدخول أو المشي، أو الجلوس قبل أن يجلسا، وهذا يخالف الأدب النبوي الذي وجه به الصحابة.
- حصر عقوق الوالدين في الضرب أو الشتم فقط؛ والحقيقة أن العقوق يشمل أيضاً الأذى المعنوي مثل رفع الصوت، أو التأفف، أو إظهار الضجر من طلباتهما.
- إهمال البر في مرحلة كبر سن الوالدين بحجة كثرة المشاغل؛ في حين أن مرحلة الكبر هي أوجب الأوقات للبر لأن قواهما تضعف وحاجتهما تزداد.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه»؟ الإجابة: معناها في الأصل: لصق أنفه بالتراب، والمقصود بها: ذل وخاب وخسر.
السؤال الثاني: ما الآداب الثلاثة في التعامل مع الوالد التي وجه بها أبو هريرة رضي الله عنه عندما رأى رجلاً يمشي مع أبيه؟ الإجابة:
- ألا يسميه باسمه المجرد.
- ألا يمشي أمامه.
- ألا يجلس قبله.