أولا: تعريف النقد
انظر إلى الصفحة أمامك، نحن في الموضوع الأول عن مقدمة في النقد الأدبي. خذ أولا: تعريف النقد. النقد هو دراسة الأعمال الأدبية، والكشف عما فيها من جوانب القوة أو الضعف، والجمال أو القبح، ثم إصدار الأحكام النقدية المناسبة عليها. وخذه لغة من الهامش: تمييز الدراهم وغيرها، والكشف عن صحيحها وزائفها. يعني مثل الصائغ الذي يفحص العملات ليميز الصحيح من المزيف، الناقد يفحص النص الأدبي ليميز مواطن الجمال من القبح. ثم انتقل إلى ثانيا: الفرق بين البلاغة والنقد عبر ثلاثة فروق. أولا، البلاغة تركز على الكلمة المفردة أو الجملة وصياغتها وسلامتها ومطابقتها لمقتضى الحال، بينما النقد يتجه إلى دراسة النص الأدبي كله دراسة كاملة مع الوقوف على المؤثرات العامة والخاصة وتسخير البلاغة لتكون أداة من أدواته. ثانيا، البلاغة علوم جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص وتنتهي مهمتها عند هذا الحد، أما النقد فينظر إلى النص الأدبي بعد إنشائه فيحلله ويحكم عليه. ثالثا، موضوعات البلاغة محددة في علوم المعاني والبيان والبديع، أما النقد فتتسم مرونته بأنه يخضع لعامل الذوق.
تخيل أنك تقرأ قصيدة ثم تتأملها لتكتشف مواطن الجمال فيها أو الخلل، ثم تقرر هل هي جيدة أم رديئة — هذا هو النقد الأدبي. الفكرة تقوم على دراسة الأعمال الأدبية بتركيز دقيق على جوانب القوة والضعف والجمال والقبح، ثم إصدار حكم نقدي مناسب عليها. فلو قرأت بيتا شعريا ووجدت ألفاظه منسجمة وصوره دقيقة وأحسست بجماله، ثم قلت إن هذا البيت رائع لقوة تصويره، فأنت هنا مارست عملا نقديا. والنقد يختلف عن البلاغة؛ فالبلاغة تركز على الكلمة المفردة أو الجملة وصياغتها الفنية وسلامتها من العيوب، بينما النقد يتجه إلى دراسة النص الأدبي دراسة كاملة متكاملة، مسخرا البلاغة نفسها كأداة من أدواته، بل ويأتي بعد أن ينتهي الأديب من إنشاء نصوصه ليقوم بتحليلها وتفسيرها والحكم عليها.
الفكرة الأساسية
النقد الأدبي ليس مجرد إبداء إعجاب أو تذمر عابر، بل هو عملية عقلية منظمة تبدأ بدراسة الأعمال الأدبية وتفحصها، ثم الكشف عن مواطن القوة أو الضعف، والجمال أو القبح فيها، وتنتهي بإصدار أحكام نقدية دقيقة ومبنية على أسس صحيحة.
الشرح
عندما نريد أن نفهم معنى النقد الأدبي بدقة، علينا أن نتأمل أركانه الثلاثة الأساسية بحسب ما ورد في الدرس. الركن الأول هو دراسة العمل الأدبي دراسة واعية وفاحصة، والركن الثاني هو كشف ما يحويه هذا العمل من جوانب القوة والضعف والجمال والقبح، أما الركن الثالث فهو إصدار الأحكام النقدية المناسبة بناء على ما سبق. ولو عدنا إلى أصل الكلمة في اللغة، لوجدنا أن النقد يعني تمييز الدراهم وغيرها، والكشف عن صحيحها وزائفها. فكما يميز الصراف بين الدرهم الحقيقي والزائف، يميز الناقد بين النص الجيد والرديء.
ولكي تتبين الصورة أكثر، عليك أن تدرك الفروق الجوهرية بين البلاغة والنقد عبر النقاط الآتية:
- تركز البلاغة على دراسة الكلمة المفردة، أو الجملة، وتعنى بالصياغة الفنية وسلامة الجملة في ذاتها من العيوب ومطابقتها لمقتضى الحال. أما النقد فيتجه إلى دراسة النص الأدبي كله دراسة كاملة، مع الوقوف على المؤثرات العامة أو الخاصة فيه، وهو يسخر البلاغة لتكون أداة من أدوات النقد، ولذا فإن النقد أعم وأشمل من البلاغة.
- تتضمن البلاغة علوما جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص، وتنتهي مهمتها عند هذا الحد. أما النقد فبالإضافة إلى تضمنه أصولا وقواعد نقدية يستفيد منها الأديب قبل إنشائه النص، فإنه يزيد على ذلك بأن ينظر إلى النص الأدبي بعد إنشائه، فيقوم بتحليله وتفسيره والحكم عليه بالجودة أو الرداءة.
- تحددت موضوعات علم البلاغة في علوم ثلاثة هي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع. أما النقد فما زالت موضوعاته تجمع بين روح العلم وروعة الفن، ومع أن له قواعد وأصولا إلا أنها تتسم بكثير من المرونة، كما أنه يخضع إلى حد كبير لعامل الذوق، مما يجعله في منزلة الفن والعلم معا.
مثال محلول خطوة بخطوة
لنطبق هذه القواعد على مثال عملي تفصيلي: لنفترض أن شاعرا أنشأ قصيدة تتألف من عشرة أبيات تصف مشهدا للطبيعة. الخطوة الأولى: نطبق مفاهيم البلاغة لندرس الكلمات المفردة والجمل وصياغتها الفنية، فنتاكد من خلوها من العيوب ومطابقتها لمقتضى الحال، ونحدد إن كانت تنتمي لعلم البيان أو المعاني أو البديع. الخطوة الثانية: ننتقل إلى النقد الأدبي لننظر إلى النص الأدبي كله دراسة كاملة بعد إنشائه، ولا نكتفي بالكلمة المفردة. الخطوة الثالثة: نقوم بتحليل النص وتفسيره، ونكشف عما فيه من مواطن القوة والضعف والجمال والقبح؛ فنلاحظ مثلا أن الشاعر أبدع في رسم الصورة الكلية للطبيعة، لكنه أخفق في البيت السابع في اختيار لفظة تناسب جو النص. الخطوة الرابعة: نصدر الحكم النقدي المناسب، فنقول إن القصيدة ذات مستوى فني جيد عموما لتكامل عناصرها وجمال تصويرها، مع وجود هنات بسيطة في بعض الألفاظ.
أخطاء شائعة
- الظن أن النقد مجرد إبداء رأي شخصي عشوائي بلا قواعد، والصواب أن للنقد أصولا وقواعد يخضع لها، وإن كان يتميز بالمرونة ويخضع لعامل الذوق.
- الخلط بين وظيفة البلاغة ووظيفة النقد، والاعتقاد بأنهما شيء واحد، والصواب أن البلاغة تركز على الكلمة والجملة وصياغتها قبل النص، بينما النقد يدرس النص كاملا بعد إنشائه ويحلله ويفسره ويحكم عليه.
- الاعتقاد بأن النقد ينحصر في علوم محددة جامدة كعلوم البلاغة الثلاثة، والصواب أن النقد يجمع بين روح العلم وروعة الفن ويتسم بالمرونة.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق بين البلاغة والنقد من حيث وقت استفادة الأديب من كل منهما ومن حيث شمول النص؟ الإجابة: البلاغة علوم جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص وتركز على الكلمة المفردة أو الجملة، أما النقد فيستفيد منه الأديب قبل الإنشاء ولكنه يزيد بأن ينظر إلى النص الأدبي بعد إنشائه لدراسته كاملا وتحليله وتفسيره والحكم عليه، ولذا فإن النقد أعم وأشمل من البلاغة.
السؤال الثاني: ما موضوعات علم البلاغة، وكيف تختلف عنها موضوعات النقد الأدبي؟ الإجابة: موضوعات علم البلاغة ثلاثة وهي علم المعاني وععلم البيان وعلم البديع، أما موضوعات النقد فما زالت تجمع بين روح العلم وروعة الفن، ومع أن لها قواعد وأصولا إلا أنها تتسم بكثير من المرونة وتخضع إلى حد كبير لعامل الذوق.