خامسا: من مباحث الإنشاء الطلبي
انظر إلى تعريف الأمر والنهي: الأمر هو طلب فعل الشيء على سبيل الاستعلاء والالتزام، مثل قولك لأخيك: ذاكر دروسك، والنهي هو طلب عدم الفعل على سبيل الاستعلاء والالتزام، مثل قولك: لا تغش. وتأمل الشرط الأساسي ليكون الأمر والنهي حقيقيين؛ أن يكون الصادر من الأعلى إلى الأدنى وأن يكون المطلوب فعلاً أو تركاً، فلو كان المتحدث مساوياً لزميله أو يطلب منه أمراً وهو دونه فلا يكون الأمر حقيقياً. في قسم النشاط أسفل الصفحة، تأمل المثال الأول الخاص بالأمر والثاني الخاص بالنهي، وفكّر هل صدر الطلب على سبيل الاستعلاء الحقيقي أم لا، وطبق هذا التحليل على بقية الأمثلة لمعرفة نوع الطلب.
يقوم الدرس على دراسة نوعين من مباحث الإنشاء الطلبي وهما الأمر والنهي والاستفهام. الأمر هو طلب حصول الفعل على سبيل الاستعلَاء والإلزَام، وله صيغ مثل فعل الأمر والمضارع المجروم بلام الأمر واسم فعل الأمر والمصدر النائب عن فاعله. والنهي هو طلب الكف عن الفعل على سبيل الاستعلَاء والإلزَام، ويأتي بصيغة الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية. وقد يخرج الأمر والنهي والاستفهام عن معانيها الحقيقية إلى أغراض بلاغية تفهم من السياق وقرائن الأحوال، مثل الدعاء، والرجاء، والالتماس، والتمني، والإرشاد، والتهديد، والتحقير، والتعظيم، والتشويق، والإنكار، والتقرير، والنفي. مثال ذلك قولك لزميلك: علي بالقلم، فهنا الأمر خرج من معناه الحقيقي إلى غرض الالتماس لأن المخاطب مساوٍ لك في المنزلة.
الفكرة الأساسية
يبني الدرس مفاهيم الإنشاء الطلبي في اللغة العربية، وتحديدا مباحث الأمر والنهي والاستفهام. يوضح الدرس كيف تتحقق هذه الأساليب في معانيها الحقيقية عندما تصدر من الأعلى إلى الأدنى على سبيل الاستعلاء والزام، وككيف تخرج عن هذه المعاني الأصلية إلى معاني بلاغية أخرى تفهم من السياق.
الشرح
نأخذ أولا الأمر والنهي. الأمر هو طلب حصول الفعل على سبيل الاستعلاء والزام، مثل أن يأمر الأب ابنه. وله أربع صيغ: أولها صيغة فعل الأمر مثل افعل، وثانيها صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، وثالثها اسم فعل الأمر، ورابعها المصدر النائب عن فاعله. أما النهي فهو عكس الأمر، وهو طلب الكف عن الفعل على سبيل الاستعلاء والزام، وله صيغة واحدة أساسية وهي الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية.
لكل من الأمر والنهي معان حقيقية إن تحقق شرطان: صدور الطلب من الأعلى إلى الأدنى، وطلب فعل الشيء أو تركه. لكنهما قد يخرجان عن المعنى الحقيقي إلى أغراض بلاغية تفهم من قرائن السياق، ومن هذه الأغراض: الدعاء حين يكون المخاطب موجها إلى الله تعالى، والرجاء حين يكون المخاطب إنسانا أعلى منزلة، والالتماس بين المتساويين في المنزلة، والتمني حين يخاطب ما لا يعقل أو ما لا يرجى تحقيق طلبه، والإرشاد في مقام النصح بلا الزام، والتهديد في مقام الوعيد بالعقاب، والتحقير لتقليل شأن المخاطب.
ثانيا مبحث الاستفهام. الاستفهام هو طلب السائل معرفة شيء يجهله، وهو طلب فهم لأمر مجهول لدى السائل، وتتمثل أدواته في حروف وأسماء الاستفهام. وكما في الأمر والنهي، يخرج الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى أغراض بلاغية تفهم من السياق وقرائن الأحوال، ومنها: الأمر، والإنكار، والتقرير بحيث يريد المتكلم أن يقر المخاطب بما يستفهم عنه، والنفي حين يصح أن تضع أداة نفي مكان أداة الاستفهام، والتعظيم، والتحقير، والتشويق، والتمني حين يفيد الاستفهام معنى ليت.
مثال محلول خطوة بخطوة
انظر إلى قول الشخص لزميله في المنزل: علي بالقلم، أو قولك له: لا تتخلف عن محاضرة اليوم. نريد تحديد نوع الأسلوب والغرض البلاغي. الخطوة الأولى: نحدد هل الجملة طلبا بفعل شيء أو الكف عنه. الجملة الأولى طلبت إحضار القلم، والثانية طلبت ترك التخلف عن المحاضرة. الخطوة الثانية: نتحقق من طرفي الخطاب. المتكلم والزميل في منزلة واحدة متساوية. الخطوة الثالثة: بما أن الأمر والنهي صدرا بين متساويين، فإن الشرط الأساسي للمعنى الحقيقي (وهو الصدور من الأعلى للأدنى) لم يتحقق. الخطوة الرابعة: نستنتج الغرض البلاغي من خلال السياق وقرائن الأحوال، وبما أن المتكلم يطلب من مساوٍ له، فالأسلوب خرج من معناه الحقيقي إلى غرض الالتماس.
أخطاء شائعة
الظن بأن صيغة الأمر أو النهي تفيد دائما المعنى الحقيقي بغض النظر عن المنزلة بين المتكلم والمخاطب. الخلط بين الاستفهام الحقيقي (الذي يطلب فيه السائل معرفة شيء يجهله وينتظر إجابة) وبين الاستفهام البلاغي الذي خرج لأغراض أخرى كالتقرير أو الإنكار. نسيان الشروط الأساسية التي تحقق المعنى الحقيقي للأمر والنهي، وهي صدور الطلب من الأعلى إلى الأدنى.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الغرض البلاغي من الأمر في قول الخنساء: عيني جودا ولا تجمد ا الإجابة: التمني، لأنها تخاطب عينيها وهما لا يعقلان. السؤال الثاني: ما الغرض البلاغي من الاستفهام في قوله تعالى في سورة الشرح الآية 1: ألم نشرح لك صدرك الإجابة: التقرير، حيث يريد المتكلم أن يذكر المخاطب ويجعله يقر بما يستفهم عنه.