تطور علم الجغرافيا
انظر إلى بدايات الفكر الجغرافي عند القدماء وكيف بدأ الدارسون يتأملون العالم، فاليونان هم أول من وصف العالم واكتشفوا أن شكل الأرض كروي بيضوي، وربطوا بين موقع الشمس والطقس والمناخ. في المقابل، شهد العالم الإسلامي تطوراً كبيراً في المعارف الجغرافية خلال العصور الوسطى، بينما تخلفت أوروبا في نفس الفترة حتى أوائل القرن الخامس عشر الميلادي بسبب سيطرة الكنيسة والبعد عن البحث العلمي واعتماد الناس على الأساطير والخرافات، وخاصة في رحلاتهم التجارية على ساحل إفريقيا الغربي حيث سيطرت فكرة أن جنوب المغرب الأخضر يستحيل تجاوزه بسبب شدة الحرارة.
يقوم درس تطور علم الجغرافيا على تتبع مراحل انتقال المعرفة الجغرافية عبر الزمن، بدءا من إسهامات القدماء وفلاسفة الإغريق والعصور الوسطى والعالم الإسلامي، مرورا بعصر الكشوف الجغرافية الكبرى في القرنين الخامس عشر والثامن عشر وما رافقها من رحلات كولومبوس ودا جاما واكتشاف العالم الجديد، وصولا إلى مرحلة الجغرافيا الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر ونشأة نظريات تفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة. يرتكز الدرس على مقارنة أسلوبين رئيسيين في الجغرافيا الحديثة وهما أسلوب الحتمية البيئية الذي يعتبر البيئة هي المسيطرة والمحكمة في البشر، وأسلوب الإمكانية الذي يؤكد على حرية الإنسان في الاختيار وقدرته على تعديل بيئته. كمثال على ذلك، عندما يتعامل الإنسان مع المناخ الحار عبر استخدام مكيفات الهواء لتعديل بيئته وتلبية مطالبه، فهذا يمثل تطبيقاً لأسلوب الإمكانية الذي يمنح الإنسان دوراً إيجابياً في تغيير محيطه وفقا لما يلائمه.
الفكرة الأساسية
تتخلص فكرة الدرس في تتبع مراحل تطور المعرفة الجغرافية عبر العصور التاريخية المختلفة، بدءا من النظرات الفلسفية الأولى عند القدماء، مرورا بعصر الكشوف الجغرافية الكبرى واكتشاف العالم الجديد، وانتهاء بمرحلة الجغرافيا الحديثة وظهور النظريات العلمية التي تفسر العلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة.
الشرح
مر علم الجغرافيا بثلاث مراحل رئيسية انعكست فيها قدرة الإنسان على فهم مكانه والعالم المحيط به. المرحلة الأولى هي مرحلة تطور علم الجغرافيا عند القدماء، حيث بدأ الدارسون والفلاسفة في العالم ينظرون إليه من خلال وجهات نظر مختلفة في مصر والعراق وفارس والصين. وكان الإغريق أول من اعتنى بوصف العالم، فأدركوا أن شكل الأرض كروي بيضوي، وهو إنجاز ضخم أضافوه إلى إدراكهم الترابط بين موقع الشمس والطقس والمناخ ومكان الشمس في الأفق. وفي العصور الوسطى، توسعت المعارف الجغرافية في العالم الإسلامي، بينما تخلفت أوروبا بسبب توجيه الكنيسة التي سيطرت على أذهان الناس بالأساطير والخرافات حتى أوائل القرن الخامس عشر الميلادي. وقد اعتقد الأوروبيون حينها أن السفر نحو الجنوب سيؤدي إلى هلاك المسافرين بسبب شدة الحرارة والظن بأن أرض المغرب الخضراء تستحيل صحراء جرداء تدريجيا، وكانت جزر الكناري تمثل الحد الجنوبي الذي يستطيع الإنسان الوصول إليه. ثم حققت أوروبا إنجازا عظيما في مستهل القرن الخامس عشر الميلادي (1416 م) على يد هنري الملاح ومدرسته، فامتلأت آفاق الملاحة وجمعت المعلومات عنها. المرحلة الثانية هي الجغرافيا في عصر الكشوف الجغرافية. في هذا العصر اقتحم كولومبوس البحر الكاريبي ووصل إلى العالم الجديد عام 1492 م وعاد ليخبر الناس. وفي عام 1497 م، قاد فاسكو دا جاما الرحلة ودخل المحيط الهندي وأبحرا إلى الهند، وبعد العديد من الرحلات تأكد للناس كروية الأرض. اكتشف العالم الجديد أمرين، أولهما شكل العالم ومحيطاته، وثانيهما معرفة مجتمعات لم تكن معروفة أصلا وتاريخ شعوب أخرى من الشعب الأوروبية ولكنها منقطعة الصلة بها ولها قيمها وتقاليدها وأساليبها الفنية. ومنذ عام 1500 م صار للجغرافيا قيمة وزادت العناية بها، فصارت الخرائط والتقارير من الوثائق المهمة جدا، واحتفظ الإسبان والبرتغال بها سرا. وبحلول القرن الثامن عشر الميلادي أصبح البحث العلمي مركزا في محتوى العالم ومضمونه لملء الفجوات المعرفية خصوصا في بريطانيا وفرنسا وهولاندا. ومع نهاية القرن الثامن عشر كانت أجزاء العالم قد عرفت على وجه الدقة ما عدا المناطق الداخلية لبعض القارات مثل إفريقيا والأجزاء الداخلية من شبه الجزيرة العربية وبخاصة الربع الخالي، ورسمت الخطوط الساحلية تقريبا. المرحلة الثالثة هي علم الجغرافيا الحديثة. في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي انتقلت الجغرافيا إلى مرحلة جديدة هدفها بلورة الأفكار الجغرافية في شكل نظريات علمية استنادا إلى الحجم الهائل من المعلومات الموروثة، وظهر أسلوبان متميزان لتفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وهما: أسلوب الحتمية البيئية (Environmental Determinism) وأسلوب النظرية الإمكانية (Environmental Possibilism). أما أسلوب الحتمية البيئية فهي نظرة جغرافية فلسفية تؤمن بسِيادة البيئة الطبيعية وعناصرها وتحكمها في الظواهر البشرية، فتفسر مختلف الظواهر البشرية وتعزو تباينها إلى الاختلافات في البيئات الطبيعية التي يقطنها البشر. وأما أسلوب النظرية الإمكانية فقد تطور في القرن التاسع عشر في فرنسا، ويرى أصحابه أن علم الجغرافيا ليس البحث عن قوانين عامة بل دراسة الأقاليم دراسة دقيقة. ويقرر أصحاب هذه المدرسة أن العلاقة بين البيئة والمجتمعات البشرية ليست بسيطة بل معقدة، وأن دراسة أي موقف عالمي أو حدث تاريخي تتطلب فهماً يرفض الاعتماد على عامل واحد لتفسير الظواهر. فالإمكانية تؤمن بحرية البشر في الاختيار، والبيئة الطبيعية لا تحتوي على ضرورات وحتميات بل على إمكانات، والإنسان هو الحكم في اختيار ما يناسبه. كما أن له قوة إيجابية فعالة في تعديل البيئة وتهديتها لمطالبه أو تغييرها وفقا لما يناسبه.
مثال محلول خطوة byrow
إذا كان أمامك مشكلة مواجهة المناخ الحار في منطقة ما، وعليك اختيار أحد الأسلوبين لتفسير قدرة الإنسان على التعامل مع هذا التحدي: الخطوة الأولى: حدد طبيعة العلاقة وفق أسلوب الحتمية البيئية؛ فالحتمية ترى أن البيئة الطبيعية وعناصرها هي التي تسود وتتحكم في الإنسان، وبالتالي سيُفترض أن الإنسان عاجز أمام حرارة المناخ ويجب عليه الخضوع التام لما تفرضه عليه بيئته الحارة دون قدرة حقيقية على تغييرها. الخطوة الثانية: حدد طبيعة العلاقة وفق أسلوب النظرية الإمكانية؛ فالإمكانية ترى أن البيئة تقدم إمكانات وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاختيار والقدرة الإيجابية على تعديل البيئة وتهديتها لما يلائمه. الخطوة الثالثة: طبق المثال المذكور في الدرس؛ وهو قيام الإنسان بمواجهة المناخ الحار باستخدام مكيفات الهواء، فهذا التطبيق يعد دليلا واضحا على أن الإنسان لديه القدرة على تعديل بيئته، مما يجعل الأسلوب الإمكاني هو التفسير الأدق لهذه الممارسة.
أخطاء شائعة
- الاعتقاد بأن علم الجغرافيا الحديث بدأ مع عصر الكشوف الجغرافية مباشرة، والصواب أنه مر بمرحلة طويلة بدأت بإسهامات القدماء وفلاسفة الإغريق والعصور الوسطى قبل أن يصل إلى مرحلة النظريات العلمية الحديثة.
- الخلط بين مفهومي الحتمية البيئية والإمكانية؛ فالخطأ هو اعتبار أن الإنسان مسير بالكامل من بيئته في كل الأحوال، بينما الصواب وفق المدرسة الإمكانية أن البيئة تضع إمكانات والإنسان حر في اختيار وتعديل ما يناسبه.
- الظن بأن المعرفة الجغرافية كانت مكتملة ودقيقة في أوائل العصور الوسطى في أوروبا، والصواب أن أوروبا تخلفت في تلك الفترة بسبب سيطرة الكنيسة وانتشار الأساطير والخرافات.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق الأساسي بين أسلوب الحتمية البيئية وأسلوب النظرية الإمكانية في تفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة؟ الإجابة: أسلوب الحتمية البيئية يؤمن بسيادة البيئة الطبيعية وعناصرها وتحكمها المطلق في الظواهر البشرية، بينما أسلوب النظرية الإمكانية يؤمن بحرية البشر في الاختيار وأن البيئة تحتوي على إمكانات وليست حتميات، وللإنسان قوة إيجابية فعالة في تعديل البيئة وتغييرها وفقا لما يناسبه.
السؤال الثاني: متى وبأي وسيلة تحققت أولى خطوات كسر الحاجز النفسي والجغرافي للأوروبيين نحو الجنوب الإفريقي قبل عصر الكشوف الكبرى؟ الإجابة: تحققت في مستهل القرن الخامس عشر الميلادي (1416 م) على يد هنري الملاح ومدرسته، عندما أدركوا أن أرض المغرب الخضراء لا تستحيل صحراء جرداء فجأة بل تزداد الحرارة تدريجيا، ولاحظوا اتجاه الرياح والتيار نحو الجنوب، لتصبح جزر الكناري الحد الجنوبي الذي يستطيع الإنسان الوصول إليه.