الدرس (32): غسل الأموال
انظر إلى التمهيد: الجريمة اليوم أصبحت أوسع تنظيماً بسبب سهولة الاتصال بين العالم، فحين يمتلك المجرمون أموالاً ضخمة دون أن يكون لها أعمال بارزة تدر هذا المال، تبدأ العدالة بالتساؤل عن مصدره. وحين لا تصادر أموالهم بسبب شك المصدر، ظهرت فكرة غسل الأموال لإخفاء مصدرها المحرم كالمخدرات أو السرقة. تعرف هذه العملية بأنها إجراء عمليات متعددة لتحويل الأموال المكتسبة من طرق محرمة لتكون في الظاهر كأنها مكتسبة من طرق مباحة، وسميت مجازاً بغسل الأموال لأن الأموال الملوثة تغسل لتتحول إلى الصففة المباحة النظيفة. أما مصادر هذه الأموال فأبرزها: أموال تجارة المخدرات، وأموال المتجارة بالأسلحة الممنوعة، وأموال الدعارة، وأموال الاغتيالات أو التجسس على الدول.
يقوم درس غسل الأموال على فكرة تحويل الأموال المكتسبة من طرق محرّمة كالتجارة بالمخدرات إلى أموال تبدو في الظاهر كأنها مكتسبة بطرق مباحة، وذلك عبر عمليات متعددة لتضليل العدالة وإخفاء المصدر الحقيقي. يمر غسل الأموال بثلاث مراحل أساسية: التجزئة، والتمويه، والدمج. فحين يحصل المجرم على عشرة ملايين ريال من تجارة محرمة، فإنه يجزئها، ثم يحولها عبر حسابات دولية، ثم يدمجها في مشاريع عقارية ليبدو تاجرا نزيها، وحكم هذا العمل تحريم شرعي قاطع لأنه أكل لأموال الناس بالباطل وتعاون على الإثم والعدوان.
الفكرة الأساسية
لو جمع شخص ملايين الريالات من تجارة المخدرات أو الرشوة، فسوف تسأله العدالة عن مصدرها وتصادرها، ومن هنا يبتكر المجرم عمليات لتحويل هذه الأموال المحرمة لتظهر في الظاهر وكأنها مكتسبة من طرق مباحة.
الشرح
غسل الأموال هو إجراء عمليات متعددة لتحويل الأموال المكتسبة من طرق محرّمة لتكون في الظاهر وكأنها مكتسبة من طرق مباحة. وتمر هذه العملية بثلاث مراحل رئيسية: المرحلة الأولى هي التجزئة، حيث تجزأ الأموال المحرمة إلى مبالغ صغيرة وتودع في حسابات مصرفية متعددة، أو تشترى بها عقارات وذهب للحصول على مستندات تثبت الشراء بقصد التموية. المرحلة الثانية هي التموويه، وتعني إجراء تصرفات جديدة لتغيير الاستخدامات لقطع الصلة بين الأموال ومصدرها الحقيقي عبر تحويل الأرصدة إلى مصارف دولية أو بيع وشراء أسهم وسندات. المرحلة الثالثة هي الدمج، وتعني إعادة دمج الأموال المنظفة مجددا في دورة الاقتصاد محليا أو دوليا على شكل استثمارات مباشرة في السلع أو العقارات أو الشركات. وحكم غسل الأموال هو التحريم الشرعي المطلق لأنه تملك لأموال بالطرق غير المشروعة والإبقاء عليها محرم شرعا، كما أن التعاون فيه محرم لقوله تعالى في سورة المائدة الآية رقم (2): ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
مثال محلول خطوة بخطوة
لنفترض أن تاجرا غير مشهود له بالنزاهة حصل على مليون ريال من بيع الأسلحة الممنوعة. الخطوة الأولى: يأخذ هذا المليون ويزيعه على خمسين حسابا بنكيا بأسماء وهمية أو يشتري به سبائك ذهب بوثائق وهمية لتعمية المصدر. الخطوة الثانية: يحول هذه المبالغ عبر مصارف دولية متعددة ويشتري بها أسهما وسندات ثم يبيعها لقطع الصلة تماما بين المليون الأصلي وحسابه الجديد. الخطوة الثالثة: يدخل هذه الأموال مجددا إلى السوق المحلي على شكل استثمار في بناء برج تجاري، فيبدو في المجتمع تاجرا عقاريا كبيرا بينما أصل ماله حرام.
أخطاء شائعة
من الخطأ الاعتقاد أن غسل الأموال يعني غسل الأوراق النقدية بالماء أو المواد الكيميائية لإزالة الأوساخ المادية عنها؛ فالصحيح أن التسمية مجازية وتعني غسل الصفة المحرمة للمال لتصبح صفة مباحة نظيفة. ومن الأخطاء الظن بأن تملك الأموال بهذه الطريقة جائز طالما أن الشخص استثمرها في النهاية في مشاريع نافعة، والصحيح أن أصل المال المحرم يظل محرما والتصرف فيه باطل.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما هي المراحل الثلاث التي تمر بها عملية غسل الأموال؟ الإجابة: المرحلة الأولى هي تجزئة الأموال المحرمة إلى مبالغ صغيرة أو شراء عقارات وذهب للحصول على مستندات غير حقيقية للتعمية. المرحلة الثانية هي إجراء تصرفات جديدة لتغيير الاستخدامات وقطع الصلة بالمصدر الحقيقي بتحويل الأرصدة لمصارف دولية. المرحلة الثالثة هي إعادة دمج الأموال المنظفة مجددا في دورة الاقتصاد محليا أو دوليا على شكل استثمارات مباشرة. السؤال الثاني: ما حكم غسل الأموال وما دليله الشرعي من القرآن الكريم؟ الإجابة: حكمه التحريم الشرعي القاطع لأنه تملك للأموال بالطرق غير المشروعة والإبقاء عليها محرم، والدليل قوله تعالى في سورة البقرة الآية رقم (188): ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وقوله تعالى في سورة الأعراف الآية رقم (157): ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.