الدرس الثامن: مفسدات التراحم والتواد والصلة بين المسلمين
اقرأ الحديث الشريف في هذه الصفحة بتمعن. يخبرنا الرسول الكريم في هذا الحديث عن أمور تفسد العلاقات الطيبة بين المسلمين وتفكك وحدتهم، مثل سوء الظن وتتبع عورات الآخرين والحسد والعداوة. تأمل هذه التحذيرات جيداً، فهي تبين ما يجب على المسلم تجنبه ليعيش في مجتمع متحاب ومتراحم. يظهر اسم الصحابي الجليل راوي الحديث في الأسفل، وهو من أكثر الصحابة حفظاً ورواية لحديث النبي، وتذكر أن التزامك بهذه التوجيهات هو أساس قوتك كفرد في هذا المجتمع.
يقوم الدرس على حماية الأخوة الإسلامية بالنهي عن صفات وسلوكيات تفسد المحبة والصلة بين المسلمين. جاء ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ينهى عن الظن السيئ، وتتبع عورات الناس، والتسمع لحديثهم خفية، والمزايدة في السلع دون قصد الشراء، والحسد، والتباغض، والتقاطع. فالإسلام دين تودد وتراحم، ويحرم كل ما يولد العداوة سواء بالقلب أو اللسان أو البدن، ويأمر بأن نكون إخوة مترابطين. مثال ذلك: عندما ترى اثنين يتحدثان بصوت منخفض، فالواجب ألا تقترب لتستمع إليهما خفية؛ لأن هذا هو التحسس المنهي عنه، بل تبتعد وتنشغل بنفسك وتحسن الظن بهما.
الفكرة الأساسية
الإسلام دين محبة وتواد وصلة، ولذلك نهى عن كل سلوك قلبي أو قولي أو عملي يزرع البغضاء والفرقة بين المسلمين، وأمر بلزوم الأخوة وحفظ حقوقها.
الشرح
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا».
تأمل هذه المنهيات التي تهدم الروابط بين الناس، وبيان معانيها:
- الظن: هو التهمة بلا دليل. وهو أكذب الحديث لأن الإنسان يبني فيه حكما جازما وتهمة على مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها.
- التحسس: الاستماع لحديث القوم دون علمهم، كمن يقف خلف الباب ليسترق السمع.
- التجسس: البحث عن العورات وتتبع أسرار الناس وعيوبهم التي أخفوها.
- التناجش (ولا تناجشوا): أن تزيد في سوم السلعة وسعرها في السوق وأنت لا تريد شراءها، بل لتخدع المشتري وترفع السعر عليه.
- التحاسد (ولا تحاسدوا): الحسد هو تمني الشخص زوال النعمة عن أخيه المسلم.
- التباغض (ولا تباغضوا): كراهية المسلم وامتلاء القلب بالعداوة نحوه.
- التدابر (ولا تدابروا): لا تقاطعوا؛ أي يعرض كل واحد عن أخيه ويتركه ويهجره.
- خاتمة التوجيه: «وكونوا عباد الله إخوانا»، أي تعاملوا بروح الأخوة الحقيقية في التراحم والمحبة والتعاون.
من معاني الحديث وإرشاداته: ١- الإسلام دين محبة وتواد وصلة، حث المسلمين عليها وجعلها من أسباب الترابط بينهم. ٢- حذر الإسلام من الأعمال التي تسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين، سواء أكانت بالقلب (كالحسد والبغض وسوء الظن) أم بالبدن (كالاعتداء بالضرب) أم باللسان (كالسباب والتهمة). ٣- من الأعمال المفسدة للمودة والمحبة والصلة:
- الاتهام بدون دليل.
- التهاجر والقطيعة بترك التزاور والسلام.
- الاعتداء بالضرب، والسباب باللسان.
تطبيقات سلوكية:
- أحسن الظن بالآخرين، ولا أتهم أحدا بدون دليل.
- لا أحسد أحدا، ولا أبغضه.
- أحب الخير للجميع.
مثال محلول خطوة بخطوة
الموقف: رأيت زميلا اشترى دراجة جديدة، فشعرت بضيق في صدرك وتمنيت لو تعطلت دراجته أو فقدها لكي لا يتفوق عليك، ثم بدأت تراقبه وتسأل عنه لتعرف من أين حصل على ثمنها. كيف تصحح هذا التصرف خطوة بخطوة وفق الحديث؟
- الخطوة ١ (التشخيص): تمني زوال دراجته عن أخيك يسمى «حسدا»، والبحث وراء تفاصيله الخاصة دون علمه يسمى «تجسسا»، وكلاهما منهي عنه بنص الحديث: «ولا تحاسدوا» و«ولا تجسسوا».
- الخطوة ٢ (العلاج القلبي): ادع الله لزميلك بالبركة، وتمن له الخير، وأزل رغبة زوال النعمة عنه؛ لأن تطبيق المسلم السلوكي هو: أحب الخير للجميع.
- الخطوة ٣ (العلاج العملي): كف عن مراقبته أو البحث في خصوصياته، وتذكر التوجيه النبوي: «وكونوا عباد الله إخوانا»، فتبارك له وتفرح لفرحه وتديم بينك وبينه المودة والسلام.
أخطاء شائعة
- الخلط بين «التحسس» و«التجسس»: التحسس هو الاستماع لحديث القوم دون علمهم، أما التجسس فهو البحث عن العورات والعيوب.
- اعتبار النجش مهارة تجارية وذكاء: النجش (الزيادة في سوم سلعة دون نية شرائها) محرم ومفسد للتراحم، لأنه خداع للمشتري وأكل لأموال الناس بالباطل.
- تبرير سوء الظن بأنه حذر: الظن المبني على التهمة بلا دليل نهى عنه الحديث وعده أكذب الحديث، والحذر لا يجيز اتهام المسلم أو بناء الأحكام عليه بدون بينة.
سؤالان للتدريب مع الإجابة
السؤال الأول: ما الفرق بين التحسس والتجسس بحسب ما ورد في معاني الكلمات؟ الإجابة: التحسس هو الاستماع لحديث القوم دون علمهم، بينما التجسس هو البحث عن العورات.
السؤال الثاني: بين رأيك في صحة العبارة التالية مستدلا بالحديث: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه يدل على تحريم بغض المسلم والإعراض عنه، وقطيعته بعد صحبته). الإجابة: العبارة صحيحة تماما؛ لأن الحديث نص صراحة على النهي عن ذلك في قوله ﷺ: «ولا تباغضوا، ولا تدابروا»، والتدابر هو التقاطع، والتباغض هو العداوة، وأمر في ختامه بالأخوة فقال: «وكونوا عباد الله إخوانا».